أهمية “المعنى”

هدف الدرس:

سوف نتحدث عن إحدى القوى النفسيّة البيولوجيّة الوحيدة التي تتصدّى لليأس و المحرّك البشري الأقوى وكيف يرتبط فعليًّا بقنوات المتعة والمكافِئة المتعددة في الدماغ.

يُطبَّق معظم علم الضغط و الصدمة بطريقة مماثلة و دقيقة على الظواهر المختلفة التي يتسبب بها  اليأس، غير أنّه نظرًا لطبيعة اليأس العازلة استثنائيًّا من المهمّ معرفة ما قاله الآخرون عن اليأس. 

عبّر شاب من الكشمير عن الألم الفلسفي لليأس بوضوح قائلًا: “قلبي في حالة انتظار، ينتظر أن يتغيّر شيء ما لكنّ رأسي يعلم أن لا شيء سيتغيّر لذا هناك فراغ فقط  و كما تحدث  هذا الشاب الشعور بالفراغ هو من مميزات اليأس.

اختبار اليأس ومن ثمّ تخطّيه علينا فهمه لعلّ أحد أبسط التفسيرات الفلسفيّة وأكثرها فاعليّة هو ذلك الذي أعطاه فيكتور فرانكل، وهو طبيب نفسي نمساوي وطبيب أعصاب ناجٍ من المحرقة اليهوديّة.

وصف اليأس كمعادلة:ي= م – م

اليأس يساوي المعاناة ناقص المعنى

من وجهة نظر فرانكل فإنّ اليأس هو معاناة من دون أيّ معنى أو هدف مفهوم للمعاناة إنّها النقطة التي تصبح فيها تجربتك كلّها معاناة من دون أيّ شيء آخر. 

و كما تحدثنا سابقا عن الخدر و هو ظاهرة قد تحصل في سياق الضغط المزمن أو اضطراب ما بعد الصدمة ويعود ذلك -بجزء- إلى قصور نشاط  استجابة للضغط.

يُعدّ اليأس مجهِدًا لذلك له تأثيرات مخدّرة أيضًا. نعم قد يبدو كشكل حادّ من الألم في أوقات أخرى و قد يتسبّب بانفجارات كما قد يتسبّب بالصمت والخمول و تبلّد المشاعر و يرتبط خطر كبير باليأس يتمثّل في أنّ ذاك الخدر الذي يرافق اليأس عادةً قد يشعرنا بالموت حيال كلّ شيء يكبت ذلك قدرتنا على هضم الألم الذي اختبرناه وتفسيره ومازلنا نختبره حتّى الآن و قد يكون تنفيذ الخطوات الأولى لهضم ألمنا و الشعور به -بالفعل- أوّل شعاع ضوء في أثناء الظلمة هذه.

في هذه المرحلة تبرز أسئلة أخرى، ففي سياق اليأس  نتساءل -حقًا- لماذا نحن ع قيد الحياة ؟ ومن أجل ماذا؟” هنا أيضًا نرجع إلى معادلة فيكتور فرانكل (ي= م – م) والبحث عمّا قد يمكن عدُّه المحرّك البشري

الأقوى و هو المعنى أي عن شيء ما أو شخصٍ ما مهمّ لنا لدرجة أنّه يتمتّع بالقوّة لتخطّي اليأس.

في تجربة الأزمات نخسر حسّ المعنى و المعنى هو إحدى القوى النفسيّة البيولوجيّة الوحيدة التي تتصدّى لليأس.

ليس هناك تفسير عصبيّ حيويّ واضح لحسّ المعنى. 

قد يكون “المعنى” قوّة محرّكة وحيدة، أو أشياء متعدّدة قد تتغيّر مع الوقت و حتّى يومًا بعد يوم. قد تكون الرغبة الكبرى في إيجاد حياة أفضل، أو التوق إلى إعادة الاتحاد بعائلتنا مجدّدًا، أو قد يكون الدافع لإنهاء دورة، أو شهادة، أو أطروحة، أو بحث، أو كتاب، أو شِعر ما، أو لوحات بدأناها قبل الاكتئاب والصدمة. 

في هذا الإطار يرتبط “المعنى” -فعليًّا- بقنوات ممتعة ومكافِئة متعددة في الدماغ.

قد يحفّز السعي وراء “المعنى”، والأنشطة الهادفة الأوكسيتوسين والدوبامين، اللذَين يساعدان- في بعض السياقات- على تهدئة الاستجابة للضغط،وكما أشرنا سابقا إلى أنّ بعض الكيميائيات، مثل الأوكسيتوسين قد تساعد في تلطيف الاستجابة للضغط، أو القضاء عليها.

يختلف “المعنى” من شخص لآخر، فقد يكون شيئًا بسيطًا، كالتوق لرؤية شاطئ البحر، أو الشوارع، أو الهضاب، أو لون السماء المعيّن حيث كبرنا وفي المكان الذي اضطُررنا إلى مغادرته. 

هناك عدد لا يُحصى من الأشياء التي تتمتّع بقوّة المعنى.

فيما يتعلّق بالعديد منّا نجد المعنى في الآخرين في الناس، وفي الحب، وفي العلاقة، وفي المجتمع، وفي الإيمان، وفي العالم الطبيعي، وعندما نتمسّك بالآخرين وبالمعنى قد يعطينا ذلك المعنى القوّة والقدرة على تخطّي ما قد يبدو مستحيلًا للآخرين، أو حتّى لنا قبل الصدمة.

مما سبق نجد أن اليأس عازلا بشكل لا يصدق و أننا نعرف اننا نستطيع تخطيه والبحث عن الأشياء التي تتمتع بقوة المعنى في حياتنا.