القصة – الخدع التي تمارسها الصدمة

منذ أن حدثت تلك الحادثة الرهيبة، وبعد مرور شهر من الزمان على وفاة العم مازن تأثرت العائلة كثيرًا، فقد كان شهرًا مليئًا بمشاعر الارتباك والضيق والغموض مثل تلك الدقائق التي تتبع الغفوة، دقائق مرتبكة استمرت لعدة أيام. في كلّ صباح، تستيقظ إسراء حمراء العيون منهكة، مهما أطالت في النوم. تستيقظ وهي تتشبث بالوسادة، بينما كانت أختها الصغيرة من جانبها تمسك بيدها بإحكام. هناك أوقات يصبح النوم فيها مهربًا وحيدًا من قسوة الأيام.

في كلّ صباح كانت تستيقظ مع عقدة في حلقها، تشعر بشيء عالق وغير محسوس يجعلها تختنق وتعجز عن الكلام. تحت الماء الدافئ للحمام، تشعر إسراء بالقشعريرة تسري في جسدها، رافضةً لصرخة الرعب أن تذهب بعيدًا حتى مع وجود الماء الساخن اللاذع. 

لأكثر من ثلاثين يومًا، كان البيت صامتًا زاهدًا بالأحاديث، ذلك البيت العامر بالبهجة والحوارات الممتعة، البيت الذي تفوح منه رائحة السعادة والفرح تفوح منه اليوم رائحة الصمت الرهيب. كانت تظهر همسات طفيفة في بعض الأحيان من المطبخ عبر الطابق الأول، صوت خافت يدعو الجميع، لكنّه لم يجد جوابًا من أحد. كان صوت والدتها، نديًّا وثابتًا. صلاتها اليوميّة التي تدعو بها بقلب حزين خاشع: [“ربّ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري”] [“يا رب ارحم برحمتك الواسعة قلوبًا ضاقت بأوجاعها]. “كانت هذه الدعوات هي الأصداء التصويريّة الوحيدة للأيام الطويلة والباردة. 

عرفت إسراء أنّ أمّها كانت -دائمًا- تختار الصلاة عندما تزورها الدموع. إذا ما خُيّر الناس بين الدموع والصلاة، يمكن للصلاة أن ترعاهم، يمكنها أن تُهديهم السلام الروحي، يمكن أن تُطمئن مزيدًا ومزيدًا من القلوب، لكن هذه المرة  كانت مختلفة، ستلاحظ إسراء هذا الشهر أنّ تلاوات أمّها باتت تخنقها، ودائمًا ما كانت تتوقف بالدموع العاجلة الغزيرة. سوف تلتقط أمّها الأنفاس على مسامع كلّ من في البيت، تلتقطها من حيث توقفت لتستمر بالترتيل. 

مهما كانت القوة الروحيّة التي ستتمتع بها أم إسراء في ذلك الشهر، فإنّها تبدو رائعة وغير ممكنة لباقي أفراد الأسرة، ولا أحد آخر يمكنه فعل ذلك مثلها، فقط أمّهم، فقط تلك الأمّ من يمكنها أن تتكيّف بهذه الطريقة. هي الوحيدة التي يمكن أن تستخدم آلامها وآهاتها لتهدئة أطفالها عندما يحتاجون إلى ذلك؛ تبكي وتتأوه وينصدع قلبها مقابل ابتسامة من ثغر طفلها.

كم كانت حاجة إسراء إلى والدتها! كم كانت حاجة إسراء إلى الطمأنينة الموجودة بين ذراعي أمها! تلك الأحضان المختنقة والمعجِزة التي يمكن أن تحظى بها حتى العام الماضي في تهدئة أيّ جرح وأيّ وجع أو أيّ خوف يعترضها. لقد فهمت إسراء من عناق أمّها وحضنها الدافئ معنى الحب. عند إسراء كانت أوقات صلاتها أوقاتًا من ذات الشعور الذي يوحي لها بأنّ الأمور على ما يرام. رغم كل شيء كان احتضان واحد ربّما يزيح عن كاهلها كل القلق، حتى لو للحظة واحدة. 

لم تكن إسراء فقط من تحتاج أمها، بل كانوا جميعًا بحاجة إلى أمّهم في تلك الأيام القاسية. كلّهم قد شعروا بالرعب، بما لم يعرفوه بالضبط، وبما لا يملكون القدرة على قوله. لقد انتهى الحادث، وانتهى الإرهاب، ذلك الإرهاب الذي لم يكن يريدهم في ذاتهم، بل أراد واحدًا أحبّوه وعايشوه بصدق، عمهم العزيز مازن. 

على نحو سيّئ، لأنهم كانوا أحوج ما يكونون إلى أمّهم في ذلك الشهر لم يكن هناك بدّ من الوصول إليها بطريقة أخرى غير صلواتها ودعواتها الصادقة. كان أفضل ما يمكن أن تفعله لأطفالها هو احتضان همساتهم المترددة، وعرْضَ سلامٍ وسَكينة هادئَين عبر تلاواتها العذبة التي كانت تمارسها في أثناء تحضير ما كانت تشتريه أو تجده من طعام في المطبخ. كان هذا الألم أكثر من قدرتها وممّا تستحقه. كانت هذه مهمتها الجليلة في ذلك الحين، التي تقدمها لخالقها؛ صلواتها الصادقة وتحضيرها الطعام الذي يفيض مشاعرًا وحبًّا. 

لم تقل إسراء أكثر من بضع كلمات في كلّ يوم من أيام ذلك الشهر. لم تكن قادرة على أن تستحضر الطاقة اللازمة للتحدث، إلّا أنّها كانت تزداد كرهًا لنفسها عندما تكون بمفردها. كان الوقت بدقائقه وساعاته مليئًا بالرهبة والتخبط، رهبة غير مرئيّة للآخرين، لكنّها منتشرة في الأرجاء؛ مكانها في عقلها وأفكارها، وفي أحاسيسها الباردة ورجفتها التي كانت تحاول كبح جماحها عندما تكون منعزلة.

بدأ صباح أحد الأيام عندما كانت في غرفة المعيشة في المكان نفسه الذي جلست فيه عندما جرى اقتحام البيت وقتل عمها مازن. كان أخوها معها صامتًا يحدق بهاتفه، يصرف انتباهه وينشغل عن أيّ مشاعر أو محادثات كانوا في أمس الحاجة إليها، لكن هنالك مساحة عاطفيّة واسعة جدًّا لفعل ذلك. بعد مدّة وجيزة، وبطريقة غير مُلاحظة ومعروفة نهض أحمد وتسلل من خلال المطبخ إلى الفناء الخلفي في الحديقة. 

في ذلك الصباح كان الضوء يتلألأ من خلال الشقوق الصغيرة في الظلال، وهي نفسها الظلال التي تُركت مرسومة بإحكام معظم الوقت وفي معظم منازل الحي. ببراءتها ورقّتها أتبعت إسراء شعاع النور بنظراتها حتى نهايته التي تصل إلى منتصف الباب المشؤوم حيث بدأ كابوسهم.

في لحظة جمدت إسراء مرة أخرى. يمكن أن تشعر برائحة الدخان في أنفها. 

[من أيّ مكان تأتي يا ترى؟]

 

[رائحة البارود] 

[يا إلهي!] 

رأت بعيونها الشاخصة تلك الخطوط العريضة لأخيها المنطرح على الأرض. بِركة الدم التي اعتقدت أنّ أمّها قد نظفتها لاتزال في مكانها. إنّها لم تُنظَّف مطلقًا. 

تسابقت الأفكار والأسئلة في عقلها، إذ تسأل نفسها هذه الأسئلة كلّها. لقد تخدّرت أطرافها. كانت ضربات قلبها عالية تسمعها أذناها بوضوح. 

[اصحي. اركضي.]

[افعلي شيئًا ما. يا إلهي افعل شيئًا.] 

جلست متجمدة لما يقرب من عشر ثوان. كانت هدى تسير على الدرج دون أن تشعر إسراء بخطواتها. وضعت الفتاة الصغيرة يدها برفق على كتف أختها التي كانت تبكي. 

التفتت إسراء إلى أختها وعينيها الصغيرتين الخضراوين اللتين كانتا كأنّهما من كوكب آخر.

كانت تشعر بالبرودة تسري في أطرافها. ابتلعت ريقها، وشعرت بانخفاض نبضها عميقًا من أذنيها إلى صدرها، وفتحت فمها.

[“نعم عزيزتي؟”] 

هدى تكفكف دموع أختها بلطف بالغ، وتجلس بجانبها بصمت ينطق رأفة وحنانًا، وقد أسندت ركبتيها إلى صدرها. في أثناء جلوسها نظرت هدى نظرة خاطفة إلى الباب الذي كانت نظرة إسراء قد تركزت نحوه عندما نزلت في أول الأمر إلى الغرفة.

حوّلت هدى رأسها إلى وجه أختها إسراء، وبالكاد تنطق بكلمات مسموعة ، وتسألها: [“لماذا نظرت إلى الباب؟”]

فتحت إسراء فمها. لا توجد لديها أدنى فكرة عمّا كان على وشك الخروج من فمها من كلمات.

[“أنا .. ..”] وكبحتْ دموعها. 

سألت هدى وهي تشعر بالقلق والبرد: [“هل يعودون؟”]

في تلك اللحظة استعادت إسراء نفسها وتحولت كي تركّز -ولو ببساطة- على كلام أختها الحبيبة. سحبتها بإحكام من ذراع واحدة:

 

[“لا، ليس هم، وليس الآن.”]

هزت الأختان بعضهما برفق ذهابًا وإيابًا بينما كانت تراتيل الأم قد سمعت من المطبخ نحو غرفة المعيشة، وباتجاه غرفتهما التي كانت تنبض بالألم.

طيلة الشهر الذي تلا ذلك الحادث، لم يكن بإمكان إسراء أن تجلس وحدها في غرفة المعيشة. لم تستطع النظر إلى الباب الحديدي. كانت ستفعل أيّ شيء لتجنب ذاكرتها الفضولية، لتتجنّب رؤية شقيقها في ذلك المنظر وهو يغرق في دمائه على الأرض، أو أن ترى جسد عمّها وهو يتلوّى وجعًا وقهرًا عندما أغلق الباب.

منذ اليوم الذي تبع موت مازن، تفزع إسراء من صوت إغلاق الأبواب. سألت والدها في مناسبتين إذا كان بإمكانهم وضع شيء في إطار الباب  للتخفيف من حدة الفتح والإغلاق. الصوت وحده يعطيها قشعريرة. أدّى صوته المفزع لإسراء إلى حدوث ارتجاف في يديها وخفقان في قلبها. لقد كرهته، وكرهت نفسها بسببه.

[ضعيفة، مثيرة للشفقة. هيّا كوني قوية، كفاكِ خوفًا وقلقًا!]

كانت تخبر نفسها في تلك اللحظات عندما ارتعدت يداها، وعادة ما كانت تشبك يديها معًا بقدر ما تستطيع، وتتنفس بعمق وتزفر مع رجفة قويّة من شأنها أن تهدّئ يديها قليلًا حتى تخبئهما في جيوبها في محاولة منها للتماسك. 

طيلة شهر كامل بعد وفاة مازن لم تفكر إسراء بشيء يتعلق بالمستقبل. ربّما للمرة الأولى في حياتها كاملة تغيبت عنها هذه الأفكار، وبالتأكيد للمرة الأولى منذ بدء الصراع لم تفكر كثيرًا في ما سيأتي بعد ذلك. لم يكن لديها قوة الإرادة لفعل ذلك، ولا الحافز الذي يدفعها لإعداد نفسها أكثر. “الاستسلام” و”الصمت” هذه الكلمات هي التي شعرت بها عميقة وصارخة في أمعائها. 

بعد ثمانية وثلاثين يومًا من مقتل عمّها تتذكّر إسراء بوضوح أنّ صمت الصباح وصوت المخاوف المنبعث منها قد عاد إليها بصوت مرتفع. 

قرع أخوها باب غرفة نومها. شقّت الباب قليلًا لا أكثر وهي تعلم أنّه أحمد، وتدرك أنّ في نفسَيهما الكثير ليقولاه، ولا سبيل للبوح به. 

[“ما هذا؟ لا أستطيع … أنا فقط لا أستطيع التحدث الآن. أنا—“]

قاطعها أحمد: [“إنّه أبي. إنّه يريد منّا أن نحزم أمتعتنا. يريدنا أن نغادر”].

 

في تلك اللحظة جاء شعور جديد عليها؛ شلل غير مألوف، من نوع مختلف، ليس خوفًا، ليس ألمًا. كان شيئًا لم تفكّر فيه مطلقًا، “ربّما الارتباك”، ربّما كان نوعًا جديدًا من الفقد، ليس لـشخص، بـل للمنزل بأسره.

لم يكن لديها أيّ فكرة عمّا تقوله. فتحت فمها مرة أخرى، لكن لم يخرج منه أيّ حرف، إنّما مجرد أنفاس متقطعة فهمها أحمد على وجه دقيق.

[“غدًا، إن شاء الله.”] ما زالت لا تنطق بأيّ شيء. وضعت فرشاة شعرها بجانب سريرها وأغلقت عينيها.

أضاف بهدوء: [“إسراء، نحن نذهب معًا”]. ربما كان يتحدث إلى نفسه ويواسيها أكثر من كونه يحدّث أخته: 

[” أختي، على الأقل سنذهب معًا”]. 

شعرت إسراء بدموع أخيها التي لا يريد لأحد أن يراها. أغلق أحمد الباب بلطف شديد وهو يعلم في نفسه أنّ أخته تفزع من صوت إغلاق الباب وتكرهه أيضًا.