القصة – الخوف من الفئران

من نواحي متعددة، كان أحمد يتناقض بشدة مع شقيقته إسراء. إنّه قصير، لكن بطريقة لم تدفع أي شخص لملاحظة ذلك أو التعليق عليه فعلًًا. إسراء لم تفهم ذلك مطلقًا. 

ربما كان ذلك لأنّ أحمد -بخلاف إسراء- يحمل في نفسه ثقة مبهجة، فقد كان ودودًا وابتسامته متواصلة دون أن يجرؤ أحد على الحكم عليه، أو الانتقاص منه لشيء، مثل طوله. الأهم من ذلك لم يبدِ أحمد لنفسه أي ضجة حول طوله. هو -حقًّا- لم يفكر في ذلك. كان كثيرًا ما يضحك على نفسه عندما يعجز عن الوصول إلى الرف في المطبخ، الذي يمكن أن تصل إليه أخته بسهولة. كان يأخذ الأمر بسخرية ويسخر من نفسه، وكذلك كانت تفعل أخته إسراء.

بصرف النظر عن طوله وطريقته الغريبة في مواجهة الأمور كان أحمد وإسراء متشابهين للغاية في عدة أمور، فقد كان لديهم أعين متشابهة؛ “مزيج مثالي من أمهم وأبيهم”؛ قزحيات ساطعة بلونها البني القريب من الذهبي الفاتح والمقفل باللون الأخضر. إذا كانت العين نافذة إلى الروح، فإنّ نافذتَي أحمد كانتا ملطختَين بالزجاج، وتضيئان كلّ ما حوله. 

كان لديهما ذات الابتسامة، ابتسامة عريضة تظهر الأسنان بطريقة واضحة، وذلك يعتمد على من كان حولهم بلا ريب. كان أحمد أكثر سخاءً بابتسامته من أخته، لكن خلف تلك الابتسامة المشرقة كان هناك عالم من الأفكار والآلام والأشياء التي كانت تثير قلق أحمد. القليل منها كان بسبب المقربين منه، وكثير منها بسبب شكوكه، حتى من أولئك المقربين منه، تمامًا مثل أخته إسراء. 

بعد كلّ شيء، كان أحمد ابن أبيه؛ الأب الذي كان -في أكبر مشاريعه التجاريّة- عنده تجربة كارثيّة في الخيانة من قِبل ابن عم له. في تلك المعركة التي استمرت قرابة عام كانت الثقة هي أكبر ضحيّة، وكان أحمد في ذلك الوقت يبلغ من العمر سنتين فقط، وقد ولدت إسراء لتوها. ليس لدى أيٍّ منهما أيّ قدرة على تذّكر تلك الأوقات. لم يتكلم أبوهم عن ذلك قط، لذا لم يكن هنالك إلّا القليل من المعلومات التي ألقتها أمّهم في طريقهم، حيث قالت إنّ والدهما تغير -كثيرًا- بعد فشل شركته، فقد كان رجلًا معروفًا في السابق، وأكثر احترامًا حتى من الإمام المحلي إلى أن انسحب من قربه العديد من الأصدقاء المقربين. لقد ترك بعض المال ولله الحمد، وعاد إلى وظيفته السابقة في البنك، لكنّه عاد فاقدًا تفاؤله وثقته وإيمانه بأخيه الأكبر “ليث” الذي شجعه على بدء العمل، ومنذ ذلك الحين تقول لهم أمهم إن والدهم أصبح أكثر تركيزًا على أسرته؛ أي كان يركّز على أطفاله بصورة أساسيّة.

يتذكر أحمد ذلك الاهتمام الشديد والتفاني باعتزاز وفخر، بحيث إنّ ما كان نابعًا من خطأ مؤذ، ومن حرج واضح، وما كان متجذرًا في الهزيمة صنع أبًا متفانيًا بصورة رائعة. كان والد أحمد كريمًا بعاطفته. كما أنّ عاطفته التي لا تتوقف في المنزل كانت على النقيض من توجسه وحذره هناك في الخارج، الحذر الذي كان يحيط به بجنون الشك والاضطهاد. 

منذ أن بدأ بالدراسة تعلم أحمد من والده أن لا أحد يستحق ثقته. “الثقة هي لإلهك، ولوالديك و لإخوتك”، قالها له أبوه، وتلقّفها أحمد بسرعة، ما عزز الدرس لدى أخته إسراء أيضًا، التي اكتسبت الصفة بطبيعة الحال.

فيما يتعلّق بأحمد كان من السهل –للغاية- التنقل حول العالم دون الحاجة إلى أن يثق بأحد. في حساباته البسيطة، الحسابات التي اكتسبها من والده هذه نتيجة السلامة من الثقة العمياء التي تفوق –بكثير- مخاطر الخوض في العلاقات المدمرة؛ وجع القلب، وتلك الأسرار التي تأتي مع الثقة المكسورة.

أحمد الابن الوحيد للعائلة كان هو وإسراء متقاربين في العمر. بينهما فارق سنتين، لكنّك -للوهلة الأولى- تشعر بأنّه أقل من ذلك. أختهما الصغرى هدى -الأصغر سنًّا- عمرها ما يقارب عشرة أعوام. كانت -إلى حد ما- شخصيّة غامضة لهما. نستطيع أن نقول انها كانت لغزًا للعائلة بشخصيّتها، وتصرفاتها، واهتماماتها، فقد كانت تعيش في عوالم بعيدة تمامًا عنهم. كان كلا أحمد وإسراء يعشقان أختهما الصغرى هدى، لكنّهما –طالما- كانا مع بعضهما البعض، ودائمًا ما كانا يفتقدان ذلك الاتصال الحدودي معها.

بالفعل، شعر أحمد بشعور مغاير تجاه إسراء، لأنّهما كانا متقاربين في العمر وفي الشخصيّة أيضا، وقد أثّر والدهم فيهم في المدّة نفسها من حياته، عندما كانت مرارته وانعدام ثقته بمن حوله أكثر حدة. فهمَ كلّ من إسراء وأحمد أباهما على نحو مماثل، ورأت إسراء –بوضوح- الحمل الذي وضعه أبوها على كاهل أحمد. ضغط يمكن تفهمه، لكنّه كان مفرطًا لشاب في عمره. بصفته الابن الوحيد، حمل أحمد على كتفيه أعباء ثقيلة. حملها تبعًا لآمال والده وتوقعاته. كان والده أكثر بقليل من أن يكون سفيرًا للآمال.

استشعر أحمد حقيقة ماذا يعني أن يكون الابن الوحيد. لم يكن مصيرًا فُرض عليه بقدر ما كان حملًا يخففه برشاقة ونبل. منذ أن ولدت أخته الصغيرة إسراء، ذلك عندما كان أحمد في الثانية فقط بدأ يعرف ما المقصود بالحماية. كان قلبه مدافعًا ووصيًّا على أخته، وكانت لحظاته الأكثر شجاعة في الحياة -“لحظات تحدٍ لأفضل حكم وأثر له”- هي تلك اللحظات التي كان يحرس فيها أخواته ويدافع عنهن.

كان أحمد عنيدًا بالوراثة، مثل أبيه. كان ذا جلد سميك وطبع مغامر مندفع في طريقته في الحماية والدفاع عمّن يحبهم. في الواقع لن يتمكن طول أحمد، ولا ذلك اللّطف الذي يتسلّح به من كبح جماح استعداده للقتال من أجل من يحبهم.

الريبة والحماية. إنّ الشرف والكرامة دافع عفوي متوقع لأحمد عندما يهدد الألم من يحبهم ويحبونه. كان هذا الشعاع الوقائي الذي يخرج من أحمد يجعل والده يضحك كلّما حدث موقف مشابه. حقًّا لقد جلبت أشياء بسيطة فرحًا أكثرَ لقلب والد، وذلك عند مشاهدة ابنه يجعل من نفسه أحمق دفاعًا عن إسراء وهدى. اختار والد أحمد رؤية الجوانب الإيجابيّة. كان يدرك تمامًا تأثيره في نمو هذه الشخصيّة، هذا الفارس المتعاظم والمدافع بدرعه الصغيرة المتحمسة.

بالطبع لم يكن التهور هو ما جعل والده فخورًا. بالعكس تمامًا؛ كان -دائمًا مع قدراته التنبّؤية المخيّبة للآمال- يأخذ أحمد جانبًا بعد الحادثة، ويخبره بأن يكبح جماح غضبه مهما كانت نية أحمد نبيلة وخالصة. 

قبل وقت قصير من بدء الحرب ضرب أحمد شخصًا ما دفاعًا عن شقيقته إسراء. ربّما كانت تلك هي المرة الأولى التي يدرك فيها الجمالَ والخطر المتزامنين في شخصيّته. أصبحت تلك القصة الخاصة -في وقت لاحق- القصة المفضلة لدى العائلة، فضلًا عن أنّها لحظة محرجة لأحمد.

مازال والد أحمد لا يستطيع أن ينهي القصة دون أن يضحك عليها بهستيريّة، ويقبّل ابنه على جبينه.  منذ الحرب، منذ أن بدأ ذلك التشتت يفكر أحمد في القصة بتردّد ملزم، ويستحضر شعور والده اللطيف على جبينه ليكون دافعًا له. هو يترك عقله يعود إلى ذلك الوقت بقدر ما يريد، وكلّما جنحت به الأفكار نحو عائلته ونحو المنزل كان يتجول في ذهنه في ذلك الوقت.

كان ثاني أيام عيد الفطر. أحمد عائد للتو -أي قبل شهر تقريبًا- من تدريبه مع الجيش. كان منهكًا، ولايزال يتمتع بسعادة غامرة بسبب الطعام غير المحدود، والمياه الوفيرة، وعدم وجود مكالمات للاستيقاظ للمهمات اليوميّة.

كانت السماء رمادية اللون، ليس بسبب كثافة السحب وتلبّدها، لكن بسبب القذارة والضباب والرطوبة التي ملأت الأجواء، التي ستجعل السماءَ الحليبيّة عميقة الغروب بلحافها البرتقالي الملفت. هو ذلك الغروب الذي سيحافظ على عمقه، وسيبقى في قلب أحمد كلّما تقدّم في السن. إنّه نوع من الغروب المثالي للغاية، حيث إنّ الشيء الوحيد الذي يمكن أن يجعله أفضل في نفس أحمد هو التسجيل الناعم لـصوت “جورج وسوف”، وتلك الرائحة الخاصة التي تبعثها الأرجيلة. إنّه غروب الشمس الخاص الذي سيطر على أحلام أحمد وهو يهرب أبعد ممّا كان يريده من دمشق. 

في ذلك اليوم لم تكن والدة أحمد ولا أخته إسراء يرغبان بالطهي. كان رمضانًا حارًّا بأيام حارقة امتدت -بسخونتها- حتى في أيام العيد. مع ارتفاع درجات الحرارة رفضت أم أحمد وإسراء تشغيل الفرن في ذلك الحر الشديد، تلك الحرارة التي خنقت المطبخ منذ الصباح. 

في لحظة نادرة -ربّما بسبب ضربة شمس أو أنّه قد حلّ طيف الكرم- قرر والد أحمد أن يتناولوا العشاء ذلك اليوم خارج المنزل. “لم نأكل –قط- في المطاعم”، فكّر أحمد. هذا يعني أنني لا أستطيع ارتداء السراويل القصيرة. يا له من جو حار!  توسل لهم لتناول أيّ شيء ممّا تبقى، لكنّهم رفضوا ذلك طبعًا. “أحمد هو الوحيد الذي لم يكن لديه رغبة في الخروج”. 

كان أحمد يرتدي ملابس غير رسميّة. نادرا ما كان يبدل تلك الملابس العفويّة التي اعتاد أن يرتديها. كان عليه أن يرتدي الجينز وقميصًا ذا أزرار. هو الآن يرتدي سرواله “الأديداس” الذي ابتاعه من محلات بيع الملابس المستعملة “البالة”، ويذهب به إلى الفصل وإلى المسجد. لتناول –الآن- طعام الغداء في المطعم. لقد كان عفويًّا غير متكلف تحمله البساطة قبل الثياب والأمتعة، لكنّه ما كان فوضويًّا قط. إذا غادر المنزل ستكون كلّ شعرة في مكانها. كان شعره ثمينًا عنده، ويهتم كثيرًا بمظهره، لكن ليس بقدر ما يهتم –أيضًا- براحته في التنقّل.

كان لديه أربعة أزواج من الأحذية الرياضيّة، وزوج واحد –فقط- من الأحذية الجلديّة كان قد أعطاه له أبوه، فالأحذية الجلديّة تجمع الغبار سريعًا معظم الوقت. في حين أنّ أحمد استثمر اهتمامًا كبيرا في غسل أحذيته الريّاضيّة من الطين والأوساخ والبقع من أحذيته في كلّ مرة كان يرتديها فيها، هو لم يفكر، ولم يرَ نقطة الترف في الملابس الرسميّة. 

كان يقول للناس: “إنّها تصرفك عن معرفة الشخص لا أكثر”. والدته اختلفت معه، ووالده لم يهتم، وأخته ضحكت من سماعها مراوغات أخيها المحبّبة لديها.

كان يقول –بمتعة- لوالدته التي تدعوه دائمًا لارتداء شيء آخر غير الأحذية الرياضيّة والسراويل العاديّة:

“ألبِسِ القرد بدلة سيبقى قردًا”، ويقول لها –أيضًا-: “أو يمكنكِ أن تُغطي تمثالًا رخاميًا بالأقمشة وسيبقى من الرخام”، ويقبّل يدها ثم يمضي ليربط حذاءه الرياضي.

كان يرتدي سروال “أديداس” غير مناسب للذهاب إلى عشاء عائلي في ليلة لطيفة مثل تلك الليلة يسبب الإحراج لأمه بذلك. لقد اتفقوا -جميعًا- على المشاوي. يبدو الشواء هو الشيء الوحيد المناسب الآن. شيء طُبِخ في الخارج -بفعل الحرارة الحارقة- كان تحية عادلة للطقس. 

المطعم مزدحم. يبدو أنّه لا أحد كان يرغب بالطهي بعد ظهر ذلك اليوم. جلس أحمد على رأس الطاولة، وإسراء وهدى إلى يساره. على يمينه -هناك على بعد أمتار قليلة عبر البلاط- رأى طاولة عليها شبان في مثل سنّه يأكلون مع امرأتين كبيرتين في السن ومعهما هواتفهما. [هل هم الأخوات الأكبر سنًّا؟ أم العمات؟ أم أنهم أقارب من كندا يزورون في العيد، لكن من الواضح أنهم ليسوا من هنا.] تراكضت السيناريوهات المختلفة في رأس أحمد. على مدى الأشهر المنصرمة كان غارقًا في تدريبه العسكري. لم يكن لديه وقت للتفكير في أفكار عشوائية ومتموجة. أشهر من الحياة المنظّمة المسيّرة التي لا يختار فيها -بقدر ما يُجبر على فعل الأشياء، كممارسة التدريب مثلًا- أولئك الأشخاص أنفسهم الذين كانوا يمازحونه باستمرار، أو يصرخون عليه، وقد وافق على هذه اللحظات بامتنان كي يسمح لعقله بالتجول بلا هدف.

بينما كان أحمد ينظر -عشوائيًّا- في المطعم طلب والد أحمد الطعام، وزادت إسراء على طلبيته دون أن ينتبه أحمد. بينما النادل يسير بعيدًا غرق أحمد في أفكاره الخاصة، وصاغ في مخيلته قصصًا تفصيليّة حول الطاولة المجاورة له.

أخرجت رائحة قطع اللحم المشوية أحمد من أحلام اليقظة الخاصة به، فبعد أشهر من الطعام الرديء في المعسكر لم يكن هناك أيّ حلم أكثر أهميّة من واقعيّة هذه اللحظة “لحم الضأن المشوي”.

كان فمه مليئًا باللحم والطماطم المشوية عندما كان يتابع -بنظره- الشباب على الطاولة المجاورة. أحمد قوّس ظهره –فجأة- مثل “ابن عرس “يتهيأ لمناوبته، واضعة يدها على واجب الساعة المُلِحّ. لقد كان أحد الشبان يشير إلى اتجاه أخته إسراء بينما كان فم أحمد محشوًا بالطعام. انضم الرجل الآخر للمشهد، حيث بدأ يشير باتجاه إسراء أيضًا، ويعقد على شفته السفلى بطريقة هيجت أحمد.

نهض أحمد من كرسيه مباشرة، فتعلقّ جزء من سرواله المريح بحافة الطاولة، وتمزق عبر جيبه. كانت لا تزال اللقمة في فمه، عندها تطايرت الطماطم السوداء المشوية المعلقة بين شفتيه. خطا أحمد خطوتين عملاقتين نحو الشابين.

نهرهُ أحمد: “ماذا تفعل؟”

بدا أحد الشابين مذهولًا وهو يرتدي قميصًا أسود بأكمام طويلة في هذا الطقس الحار. كان الآخر يمسك نفسه من الضحك؛ “التماسك بين الابتسامة والضحك، أي تشنّج كامل الوجه”.

“انظر إليَّ!” أصرَّ أحمد، ووضع قبضتيه على الطاولة أمامهما مباشرة. الآن كلاهما يحدقان بأحمد باستغراب وتعجب. 

“اجلس، حبيبي.” حاول أحدهم رفع قبضة أحمد من على الطاولة، ودون أي صوت أمسكه أحمد – مباشرة- من حلقه بإحكام. كان يضع كلتا يديه حول رقبة الشاب ذي القميص الأسود تحت لحيته تمامًا، رافعًا بذلك الخطوط العريضة لفكّه. كان بإمكان أحمد أن يشعر بنبض ضحيته تحت إبهامه المتعرق.

صارت أنفاس الشاب ذي القميص الأسود تتسارع؛ بات يلهث من أثر ذلك، وباتت خياشيمه تُخرج الهواء وتدخله باضطراب، وكانت عيناه تتسعان وتزدادانِ ظلمة مع الغضب الذي يعتريه.

بدأ الشاب ذو القميص الأسود يستعيد شيئًا من أنفاسه. إلى حد ما كان الهدوء غير وارد وقتها.

“كنت أتساءل ما الذي طلبته تلك الفتاة من الطعام، فهو يبدو لذيذا…” كان الشاب ذو القميص الأسود يحدّق بأحمد بنظرات مليئة بالصدمة. من الممكن أن تكون نظرات تعتريها الشفقة أيضًا.

أرخى أحمد قبضته، وأغلق عينيه، وأخذ نفسًا هادئًا قبل النظر إلى أيّ مكان آخر على الإطلاق. لقد علم -دون النظر- أنّ المطعم بأكمله كانوا يحدقون به ويتهامسون عنه. يتناقشون ما إذا كان رد فعله مفرطًا، أو قاصرًا، أو ما إذا كان الشاب ذو القميص الأسود هو البطل مع رفاقه. كان مشهدًا شاهده أحمد مرات لا تحصى، لكنّه لم يكن هو ذلك النجم.

عاد أحمد إلى كرسيه، ووضع قطعة أخرى من لحم الضأن في فمه، وبينما كان يمضغها عاد إليه الشاب ذو القميص الأسود، ووضع يده على صدره، وقال: “اسمي آدم ، وما زلت أريد أن أعرف ما الذي طلبته”.

[إنّه مشابه لما طلبتموه. “متبّل”، لكن مع دبس رمان إضافي].

كان والد أحمد يربت على ظهره برفق وحب، وكان بإمكان أحمد أن يخبر والده أنّه كان في مكان ما بين الغضب الشديد والضحك الذي لا يمكن السيطرة عليه. بالتأكيد مع حلول نهاية الليل سمع كلاهما الآخر

مثل هذه القصص التي تعبّر عن الحماية، ومثل هذه القصص المحبّبة التي تترك أثرا في النفس هي التي جعلت إسراء وهدى يعشقان أخاهما الأكبر. كانوا يتنازعون فيما بينهم أحيانًا، لكنّهما كانتا تحبانه بعمق. ستكون قصص حماية أحمد وتضحياته شيئًا راسخًا على المدى الطويل، وستكون-في وقت لاحق- واحدة من الأشياء التي أبقتهم على قيد الحياة. 

كان أحمد محبوبًا ومبتسمًا، لا يفهم أخته إسراء تمامًا، أو لماذا هي هادئة جدًّا بهذا الشكل. في حين أنّه يقدّر حكمتها الهادئة كان يتمنى -في كثير من الأحيان- أن تقول أكثر، وأن تفعل المزيد، وأن تضحك أكثر. على صعيد واحد، تريد إسراء أن تأخذ نصيحته بعناية. تريد أن تكون أكثر مثل أحمد، وأقل من نفسها الحذرة، لكن من ناحية أخرى، فإنّ كليهما يعرف أنّ قلب أحمد سريع الحساسية، وسريع الغضب، وبالنتيجة سريع الألم. انها تعلم -أيضًا- أنّ أحمد -مثلها- لا يشارك سوى القليل جدًّا ممّا يدور في واقعه؛ هناك في نفسه وتحت السطح الذي يظهره للناس. عمومًا كانت الهياكل متماثلة فيما بينها، لكنّها ذات طبقات مختلفة من الطلاء. 

بينما كان -دائمًا- ذكيًّا ومدركًا لما يحيط به، لم يحب أحمد المدرسة، بحيث بدت شيئًا هيكليًّا ورسميًا جدًّا لعقله المتجول الحر. انتقل فيها من صف لآخر من غير وضوح، وفي هيئة المتخرج. على الرغم من أنّه كان دون وجهة بعد انتهائه من المدرسة الثانوية، ودون هدف حقيقيّ، إلّا أنّه تابع مع أصدقائه لا أكثر.

بعد تخرجه التحق بالجيش، وبقي سنتين في الخدمة الإلزامية على الرغم من إعفائه بعدّه الابن الذكر الوحيد. كان مجرد تدريب وليس قتالًا. نعم، لقد شعر ببعض الضغط، لكنّه كان يعلم أنّ هذا القرار سيعطيه وقتًا للتفكير، حيث كان يخطط ويتحدث حول عدد من المغامرات التجاريّة التي سيخوضها مع أفضل أصدقائه؛ قصي وزاهر.

في أوقات مختلفة كان لديهم حلمًا ببدء العمل كشركة سياحيّة؛ خدمة سياقة، أو شركة شحن، أو خدمة توصيل. كانوا -كلّ يوم تقريبًا- يقترحون فكرة جديدة، وكان قلب أحمد المتهور -كل يوم- يقع في حب فكرة جديدة. لم يخبر والده -ولا مرة واحدة- عن ذلك ، حتى أنّه لم يجرؤ على ذكر فكرة الدخول في العمل مع أصدقائه المقربين. 

أنهى أحمد خدمته العسكريّة -قبل بدء الصراع- في عام 2010. كانت دوافعه وراء الدخول إلى الخدمة غير واضحة، وحتى عندما تسرح من الخدمة الإلزاميّة لم تكن أهدافه واضحة أيضًا، لكنّه كان أكثر انزعاجًا وأكثر تعقيدًًا. 

التغيّر الكبير الوحيد الذي حدث في أثناء سنتين من التدريب هو أنّ أحمد صار يكره صوت إطلاق النار، وهذا ما جعل حفلات الزفاف في نهاية الأسبوع، والعروض العسكرية، وحفلات التخرج مقلقة وصعبة عليه، فهي تتطلب يقظة مستمرة، وثباتًا متواصلًا  يصمد ويثبُت، على أمل أن لا يسأله أحد عن سبب حساسيته، لا سيما بعد عامين من التدريب الذي صَمّم -بصورة خاصة- على خوض غماره مهما كان لايزال -في داخله- صبيًًّا صغيرًا. 

في تلك الأوقات النادرة عندما كان يلاحَظ عليه وهو يُحجم عن أيّ صوت مشابه لصوت الطلقة كان يتظاهر بأنّه يعطس أو يرتعش. لقد رأته إسراء في أثناء ذلك. 

واجهته إسراء بذلك -مباشرة- في مناسبات متعددة، لأنّها لم تكن مرتاحة -دومًا- لذلك، إلى درجة أنّه وجد قوّة ونزعة لا تصدق في أثناء مواجهتها. كذب عليها أحمد بشأن ذلك في مناسبات متعددة، مشيرًا إلى أنّه كان يلعب أو يتصرف لإثارة الضحك لا أكثر.

في النهاية تطفلت على الحقيقة. هناك تحت شجرة الزيتون -تحديدًا- أخبرها أحمد القصة كاملة.

في بداية التدريب العسكري الذي خضع له أحمد نجح مجند شاب في العثور على سلاح في أثناء التدريبات، أطلق رصاصة بعبثية، فمرّت الرصاصة على مقربة من أذن أحمد. كانت مجرد حادثة صغيرة، وعلى الرغم من الجهود التي بذلها أحمد لتجاوزها، إلّا أنها تركت بَصمتَها عليه.

كانت الندبة غير ملاحَظة تقريبًًا، وهو أمر سهل الكذب لإخفائه.

 “لقد كان مبكرًا جدًّا، ولم ألمْه على ذلك.” ابتسم عندما يبدأ قصته، مشيرًا إلى ميزة واحدة في إجباره على الاستيقاظ مبكرًًا هي شروق الشمس.

“تشعرك بانها رياح في البداية، لكن بعد ذلك رنين لا يتوقف”. في ذلك الوقت أرادت إسراء أن تعرف كلّ التفاصيل، فمثل هذا الفضول حول الإصابة سيكون متوقعًا منها، ولا يمكن تلافيه.

بدأ الدم يتسرب من أذنه بعد أربع ثوانٍ من إطلاق الرصاصة، أخبرها بذلك. طبعًا كان الدم شيئًا جديدًا لدى أحمد البالغ من العمر ثمانية عشر عامًا. الدم يسيل على خده وعلى الرصيف. شاهده في البداية، لكنّه لم يكن متأكّدًا من مصدره، حتى لو كان منه هو لم يعرف ذلك. أخبرها بتفاصيل دقيقة عن الصوت، الرنين المكثف الممزوج بقطرة ثابتة، كما لو أنّ الماء في الصنبور قد أصبح سميكًا وسلسًا مثل العيران. 

شارك أحمد مع أخته -بالتفصيل الدقيق- كيف هاجمه الألم بتلك السرعة، وسقط على الأرض. 

“يا إلهي، ضربَتني رؤية الدم والألمُ كموجة صادمة. كنت مقتنعًا بأنني سأموت.” كان ينظر إلى شيء ما في تلك المسافة بين الموت والحياة عندما يتذكر مشاعره وهو يتذكر كيف كان شعوره. لم تسمع إسراء أخاها يتكلم بهذه الطريقة من قبل، كانت آذان الذئب التي تمتلكها تنحني أكثر من أيّ وقت مضى.

“كنت مقتنعا بأنني قد أصبت برصاصة في الرأس.” كانت تمسك بيده، لكنّه سحبها بعيدًا ووضعها في حضنه. “لا، لقد حدث منذ مدّة طويلة. لا تقلقي بشأن ذلك.” قالها بطريقة مطَمئنة.

مع ذلك لا يعرف أحمد كيف بدا في تلك اللحظة قبل ذلك بسنوات عندما انهار على الرصيف تحت شروق الشمس.

“ليس لدي أيّ فكرة عمّا إذا كنتُ قد بكيت، لكنّني كنت مرعوبًا. بصراحة اعتقدت أنني على وشك الموت.”

في الواقع سيقول لك الزملاء المتدربون إنّه كان صامتًا ورزينا وباهتًا. كان والده فخورًا به. بطبيعة الحال، في وقت لاحق من ذلك اليوم سخر منه  بعض زملائه المجندين، لكنّ معظمهم صُدموا فجأة. لا أحد يقتل في أثناء التدريب الروتيني، وقد أوهمهم الضباط المسؤولون عنهم بأنّه حادث صغير رغم أنّ أحمد شك في أنّ شخصًا ما سيعاقَب على ما حدث. 

حتى بعد أن ذكر الحادث لإسراء بسنوات كان قلبه ينبض بسرعة، ويضطرب بدقات عميقة مثل خيول كثيرة تتزاحم في طريق ضيق.

أنهى قصته فجأة.

“نعم هذا هو. مازلت أواجه ردة الفعل الرهيبة كلّما سمعت طلقة نارية وكأني أعود إلى هناك. قلبي يصبح في سباقات. أغيب عن الواقع لمدة جزء من الثانية، ثم أعود إلى حالتي الطبيعيّة.” وأخذ عندها نفسًا عميقًا.

  كانت إسراء تنتظر منه  أن ينظر بعينيها لعله يعود بهما من أيّ مكان غير مريح كان يعيشه.

“هيّا، يجب أن أذهب لرؤية زاهر. لا تقلقي عليّ، ولا تخبري أمي، إي؟”