القصة – الدماغ التنبّؤي

نشأت إسراء في بيئة آمنة لم يُكسر لها عظم هناك بالقرب من أهلها، لم تتعرض لسوء معاملة جسديّة قط، بل كان مجرد تخويف يعتمد على الأخطاء لا أكثر. لم تتذوق ألم الهجر أو العوز قط، ولم تكن تعرف –البتة- حقيقة الحرب، على الأقل في طفولتها البريئة والهادئة. 

لقد أحببتها العائلة واعتنت بها جيدًا، وأحبتهم هي –بدورها- بقوة دون أيّ فشل ودون أيّ شك في ذلك. كانت فتاة متعلمة جيدًا. كانت تتناول الطعام لثلاث مرات في اليوم، ويمكنها المشي إلى أيّ مكان هي في حاجة للذهاب إليه. كان لديها مجموعة صغيرة جدًا من الأصدقاء المقربين، مثل الأخوات اللواتي كانت تعرفهنّ منذ أن كانت طفلة. نعم، كان عليها أن تتعامل مع المضايقات ووجع التهويل والبلطجة، لكنّها كانت -في مجمل حالها- في مأمن من الأذى. 

إسراء -كما هي بساطة الأطفال وبراءتهم الدائمة- لم تُفكر في مفهوم البقاء قط. لا يفكر الأطفال -أبدًا- في مثل هذه الأشياء. هناك مَن يمثلون ضمانًا ورعاية لسلامتهم، فلا يحتاجون إلى التفكير في الأمر كبالغين. 

عندما كانت في سن المراهقة عرفت إسراء في نفسها أنّها حساسة جدًا، تحديدًا بشأن طولها. كان طولها الفارع، والمشاعر التي تتولد من آثار ذلك محلّ ضعف في درعها السميك الذي يحيط بها. لم يرها أحد تبكي بسبب ذلك، ولم يرى أحد –سواها- انتقاداتها المستمرة للأشياء، وشوقها الدائم كي تبدو مختلفة. كانت خجولة ورزينة حول نظرة الآخرين إليها؛ هناك في برجها العالي، معزولة عنهم بجدران وُضعت أحجارها بعناية فائقة.

بالطبع، من الصعب على إسراء أن تحدّد –بسهولة- كيف، أو لماذا، أو متى أصبحت –فعلًا- على هذا النحو. لماذا كانت حسّاسة جدًّا حول طولها؟ لماذا تتزايد ضربات قلبها بسرعة عندما يتعلق الأمر بردّها على إهانات حول طولها؟ لكن هناك القليل -أيضًا- مازال مَخبوءًا عنها. 

فيما يتعلّق بإسراء -مثل كلّ واحد منا- تمنّت لو أنّها كانت مختلفة؛ “لو أنها كانت أقصر” وأقوى وأكثر شجاعة ممّا هي عليه. كانت إسراء تتمنى -ليلًا ونهارًا- لو أنّ ذلك الكائن الحصين الذي بدت عليه من وجهة نظر الآخرين بأن تكون هي كذلك، كان غير مرئي لإسراء، أو كان -في أحسن الأحوال- محجوبًا بالغيوم المتلبّدة.

حيثما كان الآخرون يرون القوة كانت إسراء ترى ضعفًا وفتورًا. كانت لها نظرتها الخاصة للأمور، وعندما كان الآخرون يرون جلدة سميكة كانت إسراء -دومًا- تشعر بالقلق من أنّ حساسيتها كانت مكشوفة تمامًا. 

في حين أنّها قد لا تتذكر، فإنّ كثيرًا من خجل إسراء بدأ عندما كانت طفلة صغيرة تبلغ من العمر ثماني سنوات -تحديدًا في الصف الثالث- عندما كانت تلك هي المرة الأولى التي يسخر فيها شخص من طولها الفارع. 

كانت الحادثة عاديّة جدًّا، وليست دراماتيكية أو نوعًا من الحوادث الذي يجعل إسراء تتذكره عادة، ومع ذلك، فإنّ هذا الحدث المبتذل كان هو الشرارة التي أطلقت ردود فعل متسلسلة، وشكّلت –بعمق- حياة إسراء العاطفيّة الداخليّة. كانت حادثة تُعدّ نواة لأنماط عميقة الجذور في شخصيّة إسراء، وهذا أمر جوهري في طريقتها في التعامل مع العالم. 

كان ذلك في الصباح الباكر، بعد وقت قصير من دخولها غرفة الصف بمقاعدها الخشبيّة العتيقة ذات اللون البني الداكن الذي يحتفظ برائحة آلاف الطلاب الذين مرّوا عليه، وتلك الجدران المقشرة ذات الرسومات العبثيّة والألوان الباهتة، كان الفصل الدراسي بلون الصابون الذي لطالما اشترته والدتها، لون أصفر مخضرّ ذكّرها بزيت الزيتون الذي يخرج من المعصرة حديثًا. تتذكر الفصل بأدق تفاصيله. تتذكره –بوضوح- كأنّه لوحة زيتية تحتفظ بها في زاوية قلبها. كان المدرس غير مؤهل كما ينبغي، لكنّه كان حريصًا نوعًا ما، وكان لطيفًا أيضًا، لكنّه كان حزينًا -بعض الشيء- في معظم الأوقات. 

كانت إسراء قد بدأت –للتو- في إخراج دفاتر ملاحظاتها للدرس الأول عندما سمعت فتاة في الغرفة تهمس لفتاة أخرى: “انظري لهذه. إنّها طويلة جدًّا مثل سارية العلم”. حوّلت إسراء نظرها إليهنّ. كانت الفتيات يتحدثن عنها بصورة سافرة، وكان قلب إسراء ينبض متسارعًا مضطربًا.

مثل سارية علم قويّة غير منزعجة من الوصف بصورة خاصة، ويبدو لها جيدًّا أنّه يستحق الاحترام، لكنّه مع ذلك لم يعجبها. ربما كان بسبب تلك الطريقة الساخرة التي تكلمن بها. 

لم تقل الفتيات أيّ شيء لا تعرفه إسراء. لقد تجاهلتهم إسراء تمامًا، مع محاولتها التركيز على معلمها بدلًا من الانشغال بهن، لكنّ تلك الكلمات كانت همساتها تتردّد من جميع أنحاء الغرفة. كانت كلماتهنّ تجلس في ذهن إسراء لدقائق، وتستولي على مساحة وطاقة في ذهنها بينما تحاول التركيز على الفصل. 

بحلول نهاية اليوم اعتقدت إسراء أنّها قد ألقت بالحادثة وراء ظهرها، لكنّ الطعام ينضج على نار هادئة، فهذه الكلمات -دون أن يلاحظها أحد- نحتت مساحة في قلبها الهش. لقد كنّ يقصدن شيئًا ما. إنّهنّ يشعرن بشيء ما وبطريقة معينة، حتى مع انتقال انتباههنّ بسرعة، إلّا أنهنّ كنّ يشعرن بشيء ما.” إنّها طويلة جدًّا”. لقد أخذت هذه الكلمات مساحة في عقل إسراء. 

في صباح اليوم الثاني جلست إسراء في المقعد نفسه. فتحت دفترها، ودون أيّ نيّة أو إدراك تحولت -قليلًا- في كرسيها إلى اليسار، مائلة رأسها في الاتجاه الذي كانت تجلس فيه الفتاتان في اليوم السابق، ودون أيّ وعي لذلك كانت إسراء تبحث عن تلك الكلمات مرة أخرى لتعرف -بسماع ذلك- إذا ما كانت الفتاتان مازالتا مهتمتين بطولها، أو انتقلتا إلى أخبار أكثر إثارة ومتعة. 

استمعت إسراء من كثب، لكن -لمدّة طويلة- لم تقل الفتيات أيّ شيء مهم. كانت إسراء مرتاحة نوعًا ما، وكانت على وشك الانتقال -مرة أخرى- إلى التركيز على الدرس الذي أمامها، ثم نظرت إلى الخلف لمعرفة ما إذا كانت الفتيات قد حضرن إلى المدرسة. عندما نظرت إسراء إلى الوراء -لثانية واحدة فقط- رأت إحدى الفتاتين تتغامز بعينيها بسخرية، وتلوّح إلى صديقتها، وتشير إلى إسراء، ليبدأ ضحك هادئ في الأجواء.

لا توجد كلمات على الإطلاق، لكنّ قلب إسراء بدأ بالتسابق. عندما كانت الفتاتان تضحكان شعرت إسراء بألم حاد في صدرها كما لو كان أحدهم قد ضربها في حجابها الحاجز. بدأ عقلها بالتسابق أيضًا، وقلبها ينبض أسرع من المعتاد. لقد بدأت تشعر بيديها ترتعشان وتشعران بالضيق، كما أنّها صنعتْ قبضة وبدأت تشد عليها. لقد شعرت بالسوء والغضب. إنّها لحظة موجعة للفتاة الصغيرة. 

لقد حاولت أن تنسى الحادثة، أو –بمعنى أدق- أن تتناساها، لكنّ ذلك الشعور لم يذهب بعيدًا . ربّما كانت هذه هي المرة الأولى التي تشعر فيها إسراء بأنها غير آمنة؛ غير آمنة في جلدها، حيث كانت هي. 

كما فعلت في اليوم السابق، حاولت دفع تلك المشاعر إلى مكان بعيد عنها. تنفست بعمق وبروية، وأغلقت عينيها لثانية واحدة، وبدأت بالتركيز نحو معلمها. فتحت عينيها واستنشقت هواءً باردًا، وأخفت مشاعرها في صدرها لبعض الوقت. 

“انسي ذلك. انسيه وتجاوزيهنّ. يجب أن تكوني أقوى من هذا الآن.”

خففت قبضتها على قلمها، وتباطأت أفكارها، وبدأ قلبها يعيد نفسه إلى ضربات طبيعيّة مستقرة، وبدأت تركّز على المعلم فقط. 

“طويلة جدًا”. تتردّد الكلمات في رأسها. أخذت بعض الأنفاس من جديد وحاولت التركيز على المعلم، لكنّها شعرت بنفسها -مرة أخرى في عقلها- تستعيد تلك الضحكات الناعمة التي كانت تسمعها في الغرفة: “طويلة جدًًّا”. 

تحاول إسراء –في ذهنها- أن تتجاهل تلك الضحكات التي يتردّد صداها من جميع أنحاء الغرفة. لقد بدأت تلك الكلمات كلّها -من اليوم السابق- تجتمع معًا على الفتاة الصغيرة، وتصبح عملاقًا يسكنها. عند بلوغها الثماني سنوات لم يكن لدى إسراء فكرة عن عمق تأثير هذه الأفكار والمشاعر في نحت أنماط عميقة في فكْر إسراء وشعورها بذاتها.