القصة – الصنبور المفتوح

عندما بدأت الاحتجاجات تتطور وتأخذ اتجاهًا آخرً تمامًا لم يكن لدى إسراء أو أحمد فكرة عن كيفيّة التحضّر لها.

عشرة قتلى.

ستون قتيلًا.

انفجارات.

كان هذا الخبر على خلاف ما كانوا يسمعونه طيلة حياتهم. لقد سمعوا مثل هذه الأخبار من قبل، لكن في مكان آخر. لم يكن خبرًا عن بيتهم ولا عن أصدقائهم الأقربين.

أصوات مألوفة أخذت تشتد وتكبر بصمت رهيب، ومحادثات تلقائيّة قد فقدت تلقائيتها، وصارت سريعة مقتضبة وغير مريحة.

صار اقتراب الصباحات ثقيلًا يحمل معه الهم والضيق؛ كان همًّا يمكن التنبّؤ به قبل قدومه، ويمكن أن يشعر به أحمد بمجرد أن يفتح عينيه. على الرغم من جهوده الباسلة لم يستطع أحمد أن يتمنى قدوم الصباح، ولا أن يدعو من أجله.

مع اتساع ظلال الصراع أكثر فأكثر لاحظ أحمد كيف تتغير إسراء. لاحظ ذلك فيها كما شعر به في نفسه. الأعين اللامعة التي تحمل أفكارًا عابرةً وشقيّة حول المستقبل ومآلاته.

لطالما كانت إسراء لأحمد مرآته التي يتأمل بها نفسه. غالبًا ما كانت مشاعرهما وردودهما متشابهة تجاه الأحداث العائلية واللقاءات الاجتماعيّة، والظروف الطارئة. عمومًا كان أحمد يرى نفسه -دومًا- أنّه انعكاس لردود أفعال أخته وكلماتها وآلامها.

هذا التزامن جعلهم أقرب إلى بعضهم البعض شيئا ما، لكنّه دفعهم -أيضًا- بعيدًا عن بعضهم البعض في أوقات القلق والريبة. لم يكن أحمد بحاجة إلى رؤية مخاوفه الخاصة تنعكس على أخته أو تؤثّر فيها، ولم يرد -أيضًا- أن يتعامل مع نسخة أخرى من نفسه. في النهاية أيًّا كانت المسافة التي حاول أحمد أن يضعها بينه وبين أخته لم يكن لذلك أيّ جدوى مع اقتراب الصراع. مهما كانت المسافة التي حاول أن يضعها لم يكن يصنع شيئًا أكثر من الفرار من ظلّه.

بينما كانت إسراء -في كثير من الأحيان- تراه من خلال دروعه كان أحمد قد اكتسب خبرة كبيرة في التغلب على مشاعره من وجهة نظر معظم الناس، فقد كانت إسراء وشجرة الزيتون القابعة في الحديقة هما الاستثناء الوحيد.

كانت قدرة أحمد على إخفاء عواطفه من المتطفّلين مذهلة، وقد مارسها بشكل منتظم مع عواطف إيجابيّة مثلها مثل السلبيّة.

قبل ذلك بسنوات، في البداية عندما وقع أحمد في حب بتول استغرق الأمر منه عامين كي يقول لها ذلك. لمدة عامين كان ينظر إليها وهي تسير أمامه دون أن ينبس ببنت شفة. تخيّل كيف ستكون الحياة معها وهي إلى جانبه، وكيف سيبدو أطفالهم لو تزوجا، وكيف سيكون حبُّها له. كلّ ذلك دون أن ينطق بكلمة واحدة. كان عالمه الداخلي غنيًًّا وغير مرئي بالكامل للمرأة التي احتلت مكانها جيدًا.

كانت أفكار أحمد تجاه بتول بريئة، فهو ذو قلب ثابت وراسخ، ودون أن يتحدث معها أو يعبر لها عمّا في قلبه أحبَّها بطريقة شعر بها في ذاته وروحه، وإن بدت غامضة نوعًا ما، إلّا أنّه كان واثقًا من حبه، حتى إن كان غير متأكّد من كيفيّة التعبير عنه، أو ماذا يفعل بردة فعلها في أيّ الاتجاهين كانت، وكالعادة كان قلبه مقيَّدًا، لكنّ حبّه كان بلا حدود.

للأسف مع مرور الوقت أصبح من الواضح أنّ بتول لم تشعر نحو أحمد بنفس الطريقة، أو -على الأقل- لم تلتفت -قط- إلى هذه المشاعر، وكما هو الحال مع الحب دائمًا لا نحكمه بقدر ما يحكمنا. كان الإحساس بالرفض الذي شعر به أحمد -وقتها- له مكان خاص تحت قفل محكم في قلبه.

كان غموض أحمد وخدره في حالة الحب أو الألم معزولَين بحنان طفولي جعلا الحرب مؤلمة بصمت، ومرارة لا يمكن تصديقها. كان يدرك أنّه العمود الذي يحافظ على تماسك إخوته. كان دعامة للتضحية.

لقد شعر بذلك بعمق، لكنّه -رغم ذلك- لم يُبد شيئًا تقريبًا، أملًا في أن يتمكن -عن طريق العمل لمدّة طويلة وإشغال نفسه بما فيه الكفاية- من خداع قلبه لتجاهل الألم وتجاوزه.

إنّ الألم -الذي لم يسمح أحمد لنفسه الشعور به عندما رفضته بتول- سوف يتضاءل بالمقارنة مع الألم الذي قد تخلّفه الحرب في قلب أحمد. بدأت خسائر أحمد في الأيام الأولى من النزاع. لقد فقد العديد من المعارف، ثم اتسعت من معارفه إلى أبعد الأصدقاء، ثم سُجن زملاء الدراسة، ثم لا توجد أيّ كلمة من خالد.

كان الظل ينمو ويتسع أكثر وأكثر.

كان الصمت -عند أحمد- أفضل الطرق للبقاء على قيد الحياة. بحلول أواخر عام 2012 وجد أحمد صعوبة في عيش حياته بنفس طريقته السابقة. لقد توفي حمزة ورأفت ونضال. اختفى ابن عمه إبراهيم البعيد في يونيو. قبل بضعة أسابيع من رمضان كان خالد يخدم في الجيش، وكان أحمد قد فقد أيّ اتصال ممكن معه.

لم يكن أحمد –نفسه- قلقًا من العودة إلى الجيش، لأنّه كان الشاب الوحيد في عائلته، وهذا يجعله معفيًا من الخدمة الإلزاميّة. هذا الارتياح الضئيل الذي حظي به –بالكاد- جعله مطمئنًا. لم يكن عدم تجديد الخدمة العسكريّة في الجيش –عند أحمد- سوى قائمة طويلة من المخاطر، والشكوك، والفروق الدقيقة التي تجعل من الصعب التنقل بين الصداقات، والمحادثات، وحتى الزواج في المستقبل، لذلك كان يتحدث بشغف إلى شجرة الزيتون التي لا تملّ من سماع همومه، ويقدّم طقوسه بالشكوى عند تلك الشجرة في وقت لاحق حتى شارفت الشمس على المغيب، حيث كانت دموعه تنهمر بغزارة دون أن يلاحظها أحد.

في غضون عام واحد كان أصدقاء أحمد هم الأسرة التي قد تعرضت لكسور طويلة الأمد، إذ كانت القطع الأساسيّة في المجموعة قد صارت مفقودة.

لم يكن هذا رفضًا من قبل شخص، ولم يكن حبًّا ضائعًا مثل حب بتول، بل كان أجزاءَ ذكرياته التي سُلبت منه إلى الأبد. لقد كان من الصعب على أحمد أن يختفي عن الأنظار. فقط إسراء وشجرة الزيتون سوف يشهدان تلك الدموع التي ذرفها خفية، وقد شهدا غضبه على تلك التربة الحمراء خلف المنزل.

مثل شقيقته، أضاف كلُّ يوم من ذلك العام ضغوطًا أخرى، ومخاوف جديدة، وأخبارًا مختلفة سيطرت عليه، وتراكمت في قلبه. مع تقدم “عام 2012” ازداد نسيان أحمد، على عكس أخته التي شعرت بالتعب والمرض والضيق، فلم يشعر أحمد بأيّ اختلاف جسدي ملحوظ، لكنّه -رغم ذلك- شعر بالنسيان والتردّد. لاحظت إسراء ذلك على أحمد، وهو –بدوره- لم يمانع أن يبوح لها بما في نفسه.

هناك تحت شجرتهم أخبرها أحمد بعدم ثباته، وبذاكرته الضعيفة .

 قال لها: “إنّه لأمر محرج عندما أخرج مع الأصدقاء. لا أعتقد أنهم يلاحظون ذلك، لكنّني أريد –فقط- أيّ شخص أن يكون بجانبي ويتّحدث معي. لا يهمني أين نذهب، وماذا نفعل، وما اللعبة التي نلعبها، أو الفيلم الذي نشاهده. يبدو الأمر كما لو كنتِ جالسة في أحد مقاعد الركّاب، وكان هناك شخص آخر يقود السيارة ويتحكم بها. لقد نسيت ما الذي حصل في لعبة “الطرنيب” في الليلة السابقة. لقد نسيت ما الذي فعلناه في اليوم السابق. ماذا يحدث؟”

كان أحمد غارقًا تمامًا، وكان عالمه يتبدل ويتغير، ولم يكن قد عرف شيئًا عن دوره في الوقت الحالي، أو حتى في المستقبل. لقد كانت دائرة أصدقائه تتقّلص وتضيق بصورة لا رجعة فيها، حيث كان قلبه ذو الجدران الشاهقة تغمره قطرة بطيئة التوسّع من المأساة والأسى.