نمو ما بعد الصدمة

هدف الدرس:

 سوف نتحدث عن كيف ينتج من المعاناة بعض التغيرات الإيجابية المتصوّرة التي تمّ اختبارها وتطويرها نتيجة للعدائية والتحدّيات.

تعلمنا سابقا بأن الدماغ يحتوي على(86)مليار خلية عصبية، وتؤثر الصدمة والضغط في هذه الخلايا لاسيما في بعض مناطق الدماغ مثل (اللوزة-الحصين –القشرة الجبهية الامامية ) ، وقد يؤدي ذلك الى تقليص وتعزيز مسارات عصبية معينة ؛والحد من مسارات أخرى .

تعالو بنا لنرى ماذا يمكن ان يفعل الدماغ من أجل الحفاظ على بقائنا، إن الدماغ قابل للتشكيل وهو مطواع ولين ،ويمكنه أن يتغير بسبب التجارب التي يمر بها من خلال العالم المحيط بنا، ويعرف هذا التغير باللدونة لنأخذ مثال على اللدونة ، فالدماغ مثل البلاستيك المنصهر او الطري، يستطيع  تغيير تكوينه وشكله والمسارات الداخلية بين خلاياه العصبية.

وكما تستطيع الخلايا العصبية ان تتقلص أو تختفي مع الضغط والصدمة المزمنين، تستطيع أيضا أن تتجدد وتنمو ويعرف ذلك (بتخلق النسيج العصبي )وهو ظهور خلايا عصبية جديدة كل (4الى 6) أسابيع، وهذا يعني بان الدماغ يولد بانتظام خلايا عصبية جديدة .

اذا تظهر خلايا جذعية جديدة في كل دورة تخلق نسيج عصبي ،وتبدأ هذه العملية في البصلة الشمية والحصين ،وهذه الخلايا الجذعية في هذه المناطق لا تقوم بأي دور محدد بعد ، إذ يمكنها أن تتمايز وتتحول الى أي نوع من أنواع الخلايا في الجسم ،وتتحول هذه الخلايا الجذعية في الدماغ الى خلايا عصبية جديدة.

ان حصول هذه العملية في الحصين هو أمر منطقي وجيد، فالحصين يلعب دورا هاما في تشكيل الذكريات وتثبيتها، ويوفر أيضا رد الفعل السلبي للاستجابة للضغط، إذ يثبط المحور الوطائي النخامي الكظري عند الاستجابة الى  هرمونات الضغط مثل (الكورتيزول)، ان الحصين منطقة رئيسة في الدماغ يرتبط فيها الضغط والذاكرة والسلوك، واظهرت الابحاث ان الافراد الذين يعانون من صدمة و ضغط مزمن قد يتعرضون الى ضمور متشجر قمي أي (تنكمش الخلايا العصبية وتتوقف عن العمل) في الحصين.

وهنا يعطي تخلق النسيج العصبي الامل ،فمن المشجع بالتالي التفكير بأن للدماغ عملية ينتج  فيها خلايا عصبية جديدة في الحصين بشكل خاص، ويمكننا بشكل أساسي استعادة الخلايا المفقودة، أن الدماغ مصمم للبقاء و يشكل التعافي جزء من هذا البقاء.

وهنا بينما نتحدث عن اللدونه في الدماغ، لابد من الحديث عن النمو ،لان اللدونة  تساعد ادمغتنا بشكل كبير على النمو و يطلق على فكرة التطور الايجابي في أعقاب الصدمات نمو ما بعد الصدمة ويشير هذا المصطلح  إلى أيّ تغيير إيجابي متصوّر تمّ اختباره وتطويره  نتيجة للعدائية والتحدّيات الأخرى.

و غالبا ما تقود التجارب الصادمة إلى عمليات تأقلم سلبية، لكنها قد تؤدي الى منافع تأقلم أيضا وقد تبرز مهارات جديدة وعلاقات متينة أكثر، و لا تعتبر هذه نهاية القصة ، نعم ان التجارب المجهدة والصادمة مدمرة، لكن قد يكون هناك عناصر وتغيرات إيجابية ونمو شخصي في أعقاب ذلك .وأحيانا تنتج عن المعاناة بعض التغيرات الإيجابية والنمو لدى الأفراد، وتثبت قصص الأنبياء والابطال هذه النقطة، أي ان العدائية قد توفر منصة للعظمة والشجاعة والحب والتقدير، ونتائج أخرى مفيدة ممكنة.

لنأخذ المثال التالي:

شخص يعزف على البيانو، و بشكل ما يفقد هذا الشخص احد أصابعه تعد هذه الخسارة مأساوية اذا انها خسارة مهارات ومصدر رزق، وبعد فترة من الألم والحزن يبدأ هذا الشخص بالرسم وابتكار الفنون وهذا النشاط لا يحتاج نفس الدقة في استخدام الأصابع وفي النهاية يصبح هذا الشخص فنان مبدع ويبدأ بإيجاد متعة وفرح كبيرين في الفنون ويبدا ببيع القطع الفنية على المستوى العالمي.

وفي النهاية إن دماغنا مصمم للبقاء كما قلنا سابقا ويشكل التعافي جزء أساسيا من هذا البقاء.