القصة – بناء الوصلات

أنهى أحمد تدريبه العسكري في عام 2010، وكان إلى جانبه -وقتها- العديد من أصدقائه. دخلوا البرنامج معًا، وانتهوا منه معًا، تمامًا مثلما دخلوا الصف الأول معًا، وانتهوا من المدرسة الثانويّة معًا. كان أصدقاء أحمد مثل الأعمدة الحجريّة الثابتة العتيقة؛ منذ آخر مرة تذكرهم بها. لم يفكر أحمد في الحياة دون أصحابه ،فهي فكرة لا تجد أيّ مساحة في عقله.

كان التدريب العسكري دورة واحدة مكتملة تجمعهم معًا. داخل وخارج الباب الدوار تخرجوا معًا، وأتموها معًا، وبهذا المعنى، وبهذه الطريقة يمكن أن نعدّ التدريب كأنّه عامان دراسيّان إضافيّان؛ اتصالات وروابط جديدة، وقليل من الفقدان، ومئات من القصص الجديدة.

من كلّ أصدقائه الذين دخلوا التدريب معه بقي واحد منهم متطوّعًا، وهو الذي سجّل لالتزام كامل مع أحمد. 

بعد اندلاع النزاع فكّر أحمد بخالد كثيرًا: كيف انتهى الأمر بخالد؟ وأين هو الآن؟ وماذا يصنع؟ لقد كان من حلب في الأصل، وانتقل إلى دمشق في الصف الخامس. كان أحمد من أول من تهكم على لهجته عندما جاء إلى دمشق لأول مرة، وهذا ما يندم عليه إلى الآن. 

الآن، من الصعب على أحمد أن يفهم لماذا كانت اللهجة مؤثرة في أيّ وقت مضى. يلجأ الأولاد الذين يشكلون دوائرهم الوقائيّة إلى أيّ شيء لإيجاد القواسم المشتركة، أو لإيجاد الفروق أحيانا.

في أوائل عام 2012 عندما انتشرت الاحتجاجات، ورافقتها أحداث العنف لم يشعر أحمد –مطلقًا- بنفس التخبط الذي شعرت به شقيقته إسراء. كانت إسراء -بانتظام- تعرب عن قلقها لأخيها. كانت تسأل أسئلة باستمرار وبطريقة نموذجيّة، مثل “ماذا لو؟”. 

كانت تشكو له من إحساس وشيك بالموت؛ نوع من سحابة داكنة كانت تشعر بأنّها تلقي بظلالها على أفكارها. كانت قلقة بشأن ما سيحدث، أو ما قد يحدث. كثيرًا ما وصفتْ هذا الشعور لأحمد كضباب مشؤوم يحيط بها، وكان أحمد -في كلّ مرة- يرفض كلامها، ويخبرها بأنّها تبالغ في ردة فعلها على الأحداث. 

في المقابل لم يكن أحمد قلقًا على الأقل في تلك المرحلة، لكنّه لم يكن -أيضًا- يخطّط أو يملك ردًّا كافيًا ليواجه بذور الخوف التي كانت تُزرع في أذهان الناس في البلاد كلها. في الواقع إنّ قلق إسراء جعله أكثر مقاومة لمثل هذه الأفكار. لقد خدمته طريقة تفكيره المليئة بالكبرياء تمامًا مرة أخرى -دون أيّ جهد- في حماية أخواته من الألم. في هذه الحالة كان ذلك يعني تهدئة مخاوفهم بعدم المبالاة، مع تأكيد وثقة من أنّ الأمور ستكون على ما يرام في الأيام القادمة، تلك الحالة التي كان يعتقد أنّه هو نفسه كان غير ذي صلة بها. كان هذا دوره الذي احتاج إلى أن يلعبه لحماية أخته، وهكذا مع قليل من الجهد أصبح أحمد أفضل ممثل يمكن أن يكون من أجل عائلته. 

منذ تركه التدريب العسكري أمضى أحمد ما يقارب نصف ساعة كلّ يوم تحت شجرة الزيتون في فناء منزل جدّه. بطريقة ما يمكن أن نقول إنّه كان مكتبه الخاص، حيث جاءت أفضل أفكاره وأعمقها من هناك. لقد كان -أيضًا- كرسي اعترافه الذي يتكلم عنده دون تردّد، فمن يستمع له كان مجهولًا ومتجذرًا -بحزم- في قلب الأرض، وغير منزعج من الآخرين الذين كانوا يرتكبون أخطاء في هذا المكان على مرّ السنين. 

مع تزايد “عام 2012” قتامةً وظُلمةً جاءت المخاوف التي كانت تصفها إسراء دومًا. إنّ تلك الدقائق تحت شجرة الزيتون أصبحت مقدسة جدًّا لأحمد. كانت واحدة من أكثر الأماكن أمانًا، التي كان يمكن لأحمد أن يتخيلها أو أن يحظى بها في حياته. بصرف النظر عن أخته أصبحت تلك الشجرة هي ذلك الشيء على الأرض الذي عرف أحمد بصورة أفضل وأعمق من كثير من البشر.

كان يجلس بهدوء ويتبادل أفكاره مع أغصانها وأوراقها الصغيرة الناعمة، التي كانت تحمل العديد من القصص العائليّة؛ قصص عن جد أحمد وجدته، عن عمّ أحمد الراحل، ذلك الذي علّم أحمد كيفيّة التسلق إلى أعالي الأشجار في حصاد أكتوبر. 

عندما أصبح الصراع أقرب وأوسع، كان أحمد يتساءل -في كثير من الأحيان- عن خالد، أكثر بكثير من ذي قبل، وكان يتساءل عمّا إذا كان قد قَتل أيّ شخص، أو كان قد قُتل هو. فكر أحمد في خالد -بصورة خاصة- في الأيام التي كانت فيها التفجيرات قريبة ومدويّة. 

لم يكن والد خالد يختلف عن والد أحمد، باستثناء الحنان والمودة اللتين كان يفقدهما. قضى والد خالد أكثر من ثلاثين عامًا في مكتب إداري صغير تابع للوزارة. كان باردًا ولئيمًا، وراغبًا في مستقبل أفضل لنفسه، لكنّه كان يحاول الوصول إلى ذلك المستقبل من خلال أولاده، فقد أصرّ على أن يخدم خالد بلاده بأيّ ثمن، حيث إنّ البلاد -عند والده- هي التي أبقتهم أحياء طيلة ثلاثين عامًا من عمله وخدمته لهم. كانت الدولة -كما يقول- مصدر رزقهم وسداد دينهم، لكن للأسف كان خالد هو الذي اضطر إلى سداد هذه الفاتورة الباهظة. 

فكّر أحمد: “لو كان خالد يعلم ذلك فقط! لو كان يعلم –فقط- ما الذي يمكن أن يحدث!”

“هل كان يستمع لوالده؟”

“لو كان يدرك ذلك لغادر معي على الأقل .. غادر معي.”

“هل يشعر والده بالسوء؟ هل يندم أبوه على إرسال ابنه للموت بهذا الشكل الفظيع؟” 

“ماذا أفعل؟ لا أعرف حتى ما إذا كان ميتًا أو حيًّا في مكان ما.”

هذه الأسئلة وغيرها كثير جعلت أحمد أكثر امتنانًا لأبيه، ذلك لقدرته على التواصل معه، حتى لو كان -أحيانًًا- عن طريق الصراخ المتبادل. 

بالطبع، في “عام 2010” عندما أنهى أحمد وخالد تدريبهما لم يكن هناك أحد يعرف ما الذي سيحدث. كان أحمد في الثامنة عشرة من عمره، حيث لم تكن الحرب خيارًا وقتها، ولم يكن هناك شيء يمكنه أن يعرفه أو كان يجب أن يعرفه. على الأقل ليست هذه الحرب الشرسة التي جاءت على البلاد من النوع الذي يمكن التنبّؤ به. 

على النقيض من الحرب كان تدريب أحمد وخالد أمرًا سهلًا، باستثناء جرح طلق ناري صغير، وقد قضيا كثيرًا من وقتهما في هذين العامين محاولين مواجهة بعضهما بعضًا في ورطة ما، ذلك لمجرد رؤية الملازم يصفع أحد أصدقائهما مباشرة على فمه. 

يضحك أحمد على نفسه كلّما استرجع مقالب أصدقائه وقد اختلط ضحكه برعشة الذاكرة، حيث كان يتذكر أسوأ دعابة له؛ سحب فراش صديقه رائد خارجًا بينما كان الأخير نائمًا بعمق، فقط لكي يستيقظ شبه عارٍ ومتجمد، غير قادر على العودة إلى الداخل في الوقت المناسب لارتداء ملابسه، من أجل أن يجري في تدريب الصباح. 

كان أحمد قد عرف العديد من الأصدقاء -أكبر منه ومن خالد بسنوات قليلة- كلهم مروا بنفس التدريب، وقد تغيروا عن طريق التدريب الذي مرّوا به. في غضون عامين قصيرين أصبح خريجو المدارس الثانوية أشخاصًا مختلفين، حيث كان بعضهم غير قابل للتمييز تقريبًا، خاصة للأولاد الذين كانوا معه من قبل. لقد عاد كثير من الفتيان من الحي بعد عامين جادين، متوجهين مباشرة إلى مصير متوقع؛ إلى وظيفة، أو إلى زواج، أو إلى شيء هادئ يمكن التنبّؤ به. لقد افترض أحمد أنّ شدة التدريب وما فيه من الحرمان أخافهم – جميعًا- من عدم الاستقرار، وهو الشكل الأكثر احتمالًا لما نسميه “الحرمان البطيء”.

 لكنّ عامين من التدريب لم يكونا كافيَين لأحمد. لقد  فعلت القليل له فحسب. شعر بالشيء نفسه -تقريبا- تمامًا كما كان يفعل من قبل، باستثناء حساسية إطلاق النار التي اكتسبها إثر ذلك الحادث، ووزنه المتغير، وما يحمله صدره من الضحكات. إنّه لايزال يريد المزيد، ويبحث -دائمًا- عن شيء كبير ومبدع، مثل بعض المشاريع الجديدة مع أصدقائه، لكنّ كثيرًا منهم سيتّبعون -حتمًا- ذلك الطريق الواضح للعمل الممل والزواج العادي.

توقع مَن حوله من الناس بعضَ التغيير الكبير بعد تلك السنوات البعيدة. بالتأكيد تعلّم أحمد من تجربته، حتى لو لم يتغير في ذاته. إذا مورس عليه الضغط وسُئل عن تحديد أيّ تغييرات أو نمو مرّ به في تلك المرحلة، فإنّ أحمد -لا شك- سيخبر عائلته بأنّه كان أكثر امتنانًا لحريته، حيث ينام ويأكل بحرية. 

في بعض الأحيان في وقت متأخر من الليل، عندما كانت أمهم وأبوهم نائمين كان أحمد يخبر إسراء وهدى بعض التفاصيل حول وقته في التدريب العسكري. كان يخبرهم كلّ مرة كان يواجه فيها خالد أو نوار أو زاهر المشكلات. بطبيعة الحال فيما يتعلّق بالفتيات ربّما كانت هذه القصص غريبة وخياليّة، فمعظم الفتيات كان لديهنّ نظرة خاصة للعالم العسكري عن طريق إخوانهنّ وآبائهنّ. 

“اعتادوا على حجب الطعام عنا لتجويعنا.” قال لهما ذلك. 

“كانوا يُنكرون علينا النوم.” كان يغلق عينيه، وهو مجرد تكريم صغير للنوم غير المقيد. 

أمّا بالنسبة لأشيائه الشخصيّة المفضلة التي تعلمها، فقد تعلم شيئًا يمكن أن نطلق عليه “الحاسة السادسة”، أن يعرف -مثلًا- متى يكون الملازم قادمًا، بحيث يمكن أن يشعر به في بَشرته مثل إنذار “ينذرنا -جميعًا- بالترتيب والوقوف باستقامة، والتوقف عن الكلام”. عندما كان المزاح والمقالب تملأ المهاجع في الليالي استيقظ الملازم من سباته، فشعروا  -جميعًا- بالتشنج والارتباك من أثر ذلك. 

الحرمان .. الخوف. دفعت هاتان الركيزتان -في التدريب العسكري- أحمد إلى نفسه بصورة أكبر، حيث جعلتاه أكثر امتنانًا لجدوله الزمني، وعائلته، وتفاصيل حياته هناك في بيته. جعلته فترات الحرمان الشديد -في أثناء التدريب- أكثر إدراكًا لما يحتاج إليه جسمه وما يريده جسمه ، من ذلك التنبيه الذي كان يجده في بشرته عندما يقترب شيء مشؤوم منه هو إنذاره الداخلي الذي كان يشعر به. 

تعلم -أكثر من ذي قبل- أن يدرك متى يحتاج -حقًا- إلى النوم، ومتى يحتاج إلى الغذاء، ومتى يحتاج إلى الذهاب في نزهة على قدميه، و متى يريد الجلوس تحت شجرة الزيتون المفضلة لديه هناك في حديقة جده، و متى يفتح المجال لأحد الأشخاص ليأتي إليه. 

لم يحوّل التدريبُ العسكري أحمد إلى شخص مخطِّط أو نمطي بجفاف وجمود، ولم يجعله يتخلى عن طريقته في اللبس وأحذيته الرياضية مقابل أيّ زي رسمي أو موحد، فمن المؤكد أنّ ذلك التدريب لم يضعف غرائزه الوقائيّة. إذا كان هناك أيّ شيء قد تغير فعليًّا، فهو تحوُّل غرائزه الوقائيّة إلى الداخل لا أكثر، لتُعلمه الدفاع عن النفس والوعي الذاتي بطريقة أفضل. 

هذان العامان -بكل ما فيهما- لم يغيرا أحمد بأيّ طريقة جوهريّة، لكنّهما جعلتاه أكثر وعيًا، وأكثر استجابة لنفسه، وأكثر فهمًا لاحتياجات  قلبه ورغباته. 

بعد ظهر أحد الأيام، بينما كان يجلس هو وإسراء تحت شجرة الزيتون في حديقة جدهما، اقترح أحمد نظريّة محتملة للتعامل مع حساسيته الشديدة. 

قال لها بوضوح: “عندما لا يكون لديك طعام، أو ماء، أو أسرة، أو متسع للنوم فإنّك حينها تبدئين بإدراك حقيقة فقدانها. نحن لا نعرف قيمة ما نملكه حتى يتلاشى من بين أيدينا.