تأثير الضغط المزمن على جهاز المناعة

هدف الدرس:

سوف نتحدث عن كيفية تأثر خط الدفاع الأساسي بالضغط المزمن.

لازلنا نتعلم عن تأثير الضغط المزمن على أجهزة الجسم، والتي ذكرنا منها حتى الآن الجهاز التنفسي والجهاز المعوي والجهاز القلبي الوعائي،  فانه يؤثر أيضًا في جهاز المناعة. وهو نظام يتكون من العديد من الأجهزة البيولوجية، والتي هي خط الدفاع الأمامي ضد الممرِضات أو البكتيريا أو أي شكل من أشكال المرض والإصابة.

إذ يتغير جهاز المناعة مع ارتفاع هرمونات الضغط، وكما سبق وأشرنا أن هذه الهرمونات تحضّر الجهاز القلبي الوعائي والجهاز العضلي من أجل التعامل مع الضغط أو التهديدات، وهي تؤثّر بشدّة في جهاز المناعة. 

ففي الأوضاع الطبيعية تتحرك الخلايا في جهاز المناعة لتهاجم الكائنات المسبّبة للمرض، وتسهّل عمليات الإصلاح الطارئة مثل التخثّر والالتهاب. وعمومًا يمكن أن يكون تحفيز جهاز المناعة مفيدًا بشكلٍ لا يُصدَّق في حالات الضغط الحادّة و المؤقتة، بحيث يساعد عمل المناعة على مستوًى عالٍ في تفادي الإصابات والتئام الجروح.

والمهم هو أن مدة التعرض للضغط  سواء كان جسديًّا أو عاطفيًّا يمكن أن تكون لها آثارٌ متزاحمة مباشرة على صحة الفرد المجهَد وعافيته بالإجمال. وبعبارة أخرى يمكن أن ينتج عن التعرض القصير المدى للضغط استجابات مناعيّة مساعِدة وتكيّفيّة،  بينما يمكن أن يُضعِف التعرض الطويل المدى أو المتكرر للضغط الصحة المناعية شيئًا فشيئًا.

 

إن الاستجابة الفورية لحدثٍ مُجهِد سواء كان هذا الحدث عظمةً مكسورةً أو قلبًا مكسورًا، تشمل تنشيط وإعادة توزيع خلايا مناعيّة محددة عبر الجسم، إذ أنه في الدقائق التي تتبع الحادث المجهِد المحفّز، تزداد مستويات الخلايا المناعيّة كلّها في الدم، بعدها “تقود” هرمونات الضغط هذه الخلايا والعوامل الموزَّعة للخروج من مجرى الدم والدخول في البشرة والأعضاء الحيوية الأخرى المحتملة التي يمكن أن تُصاب أو تُخرَق. ويُعرَف أن هذه الخلايا كلها تساهم في ازدياد العمل المناعي بعد حدثٍ مُجهِد، وكأن الجسم يتحرّك حاليًّا لتلبية حاجة مستقبلية فوريّة تتمثّل في محاربة الإصابات أو التئام الجروح.

تكون عادة معظم الأشياء التي تهدّد السلامة خارجية وغير داخليّة، وقد تعلّم الجسم أن يستجيب وفقًا لذلك. فإذا أُصيب في البشرة تكون الخلايا المناعيّة في غاية الأهمّيّة لشفاء الجرح والحماية من البكتيريا التي تدخل الجرح من الجلد.

إذًا و بالإجمال يمكن تشبيه استجابة الضغط بشكلٍ أساسي إلى قائدٍ يرسل جنوده إلى خطوط الدفاع الأماميّة من أجل حماية مناطق الهجوم الوشيك، أو من أجل الإسراع في إعادة بناء الدفاعات في حال اخترق الغزاة الخطوط الأوّليّة.

وفي سياق الضغط المزمن، يبدأ المحور الوطائي-النخامي-الكُظْري باستجابته للضغط من خلال ضبط التعزيز المناعي و”تخفيض مستوى” نشاطه.

فإذا بقي عامل الضغط وأصبح الضغط مزمنًا تبقى أيضًا استجابة الالتهاب المساعِدة الأوّليّة، فيما يتراجع العمل المناعي بالإجمال.

ومع الوقت يوقف الإفراز المتواصل للكورتيزول بعض البروتينات اللازمة لإنتاج خلايا مناعيّة جديدة، كذلك مع الوقت لا تعود الخلايا المناعيّة التي يحرّكها الكورتيزول أصلًا حسّاسةً إزاء إشارات الكورتيزول.

وبعبارة أخرى تتوقف الخلايا المناعيّة عن “الاستماع” إلى الكورتيزول بما أنه يُعنى بإعطاء مهام تحريك قصيرة المدى فحسب.

وبهذه الطريقة يمكن أن يُضعف الضغط المزمن العمل الكلّي لجهاز المناعة مما يزيد احتمال الإصابة بالمرض والالتهاب المزمن. 

يمكن أن تترتّب عواقب وخيمة عن اقتران حالة الالتهاب المستمر بتراجع العمل المناعي، ففي الواقع تم ربط حالة الالتهاب المستمرة المتعلّقة بالضغط المزمن بزيادة خطر تطوير الاكتئاب والمرض القلبي الوعائي والسُّمنة. 

وأيضًا أشارت عدة دراسات إلى وجود علاقة بين مشاعر الضغط و الحزن الشديد ،والصعوبة التي يواجهها الجسم في محاربة الأمراض مثل الزكام أو الإنفلونزا. كذلك في حالات الضغط المزمن يلزم وقتٌ أطول للجسم من أجل شفاء نفسه من التمزقات أو الكدمات.

وما زال الباحثون يكتشفون كيف تتفاعل استجابة الضغط مع جهاز المناعة الخاص بنا، وستمضي عدة سنوات قبل أن نفهم الصورة مكتملةً.

 واخيرا نحن نعلم بشكلٍ مؤكَّد نسبيًّا أن استجابة جهاز المناعة للضغط  على المدى القصير مفيدة بما أن جهاز المناعة يمنع الإصابة ويسرّع الشفاء. لكن عندما يستمرّ الضغط ويصبح مزمنًا، سيُضعِف الإفراز المتواصل لهرمونات الضغط في النهاية جهاز المناعة، مما يصعّب أكثر بكثير على الجسم الاستجابة للغزاة الغرباء.