القصة – تمهيد

القصة: 

تَبلغ إسراء من العمر ثمانية وعشرين عامًا، إلّا أنّ الخطوط المتفرعة من عينيها العسليّتين تحكي أشياء أخرى أكثر غموضًا. لديها تجاعيد تحكي قصة أمومة جديدة مزوّرة بليالٍ طويلة وحكايات خفيّة، ووجهِ جندي مجعدٍ لا يعرف السبب وراء هذا الحزن المختبئ في البيت. 

طبقُها المفضل هو البامية، لكن بالطريقة التي تعدّها أمها فقط. كانت البامية مليئة بالثوم المُقطّع إلى شرائح رقيقة تتحلل في بحر أحمر من الطماطم. غالبًا ما كانت أحلام اليقظة عندها حول طريقة طهيها، فكيف لتلك الشرائح الشفافة من الثوم -التي بالكاد يمكن أن تراها- أن تطغى بمذاقها على  كلّ الوعاء. لم تتقن صنعها -مطلقًا- كما فعلت أمّها رغم محاولاتها الدؤوبة، وتلك الندوب الصغيرة على أصابعها الرقيقة تحمل دليلًًا على محاولاتها التي لا حصر لها. 

تفوّقت ندوبٌ أخرى أقل وضوحًا على تلك التي تعرضت لها في أثناء طبخها للبامية؛ ندوبٌ يحملها قلبها تنبئ بسنوات من المحاولات التي لا جدوى منها لإغلاق جروح تصرُّ على النزيف. 

ولدت إسراء في دمشق. كان عمرها عشرين عاما –فقط- عندما بدأ الصراع. أمضت أكثر من عشرين عامًا على هذه الأرض قبل أن تفقد شخصًا تحبّه، لكن في ثماني سنوات قصيرة منذ ذلك الحين تحمّلت الكثير والكثير من الخسارات، أكثر ممّا كانت تحمله طيلة حياتها. 

ثمانية أعوام. ثمانية أعوام عاشتها إسراء في حركة قاسية وثابتة مثل سبّاحٍ تضربه الأمواج، فيُخرِج رأسه للهواء، ثم لا يلبث أن يجد موجة أخرى تصفعه. ثمانية أعوام. كل عامٍ جلب معه تحدياتٍ لم يُطلب منها أن تتقبلها، ولم تكن -بالضرورة- جاهزة للتعامل معها. لقد أعدّها أبوها وأمها لمعظم الأشياء؛ “الأشياء التي مازالت تأتي ولم تنته بعد”، لكن ليس من أجل هذا؛ ليس من أجل أن تتعلم كيف تترك الأشياء خلفها.

قبل “عام 2011” لم يكن لديها -ولا لأيّ شخص من عائلتها- أيّ سبب لتوقع النزوح، أو أن تتوقع – مثلًا- عبور البحر لمرّة واحدة جميلة، أو أن تتوقع استخدام رموز سريّة عبر الهاتف خوفًا من عواقب فعل مثل هذا. إنّ المشكلات التي لا يمكن تصورها التي تواجهها الآن مبنيّة على الرماد الذي لايزال يحترق داخلها من المشكلات الماضية، ،مبنية -أيضًا- على الصرخات المكتومة التي لم تهدأ بعد.

كلّ هذا حدث بسرعة وبصورة كاملة ومدمِّرة. الألم شعور عميق، لكن- في بعض الأوقات- يبدو أنّه يمرّ دون أن يلاحظه أحد.

كان هناك وقت اعتادت فيه إسراء أن تبكي أكثر بكثير ممّا تفعل الآن. في بداية النزاع كانت تشعر بأنّ الدموع  جزء من الحل. كانت الدموع طريقتها شبه الوحيدة التي تُعبّر بها عن الألم والوجع والشوق. 

كم تتمنى أن تبكي مثلما كانت تفعل في السابق، عند البكاء تشعر بشيء ما على الأقل.

أن تشعر بشيءٍ ما أفضل بكثير من الخدر الحالي الذي لا يطاق. لقد كانت هنا من قبل في هذا المكان الفاقد للأحاسيس، وقد اعتقدت أنّها تغلبت عليه. آخر مرة شعرت فيها بهذا الشكل كانت على بعد آلاف الأميال، وكان عليها -ببساطة في ذلك الحين- أن تنتظر حتى تمرّ. 

في ذلك الوقت انتظرت انتظارًا مظلمًا ومُوحِشًا على الرغم من أنّ عائلتها كانت تحيط بها، لكن لم يكن هناك شعور يوحي بالدفء والحنان. كان هناك شيء ما مختلف وغريب يجري حول هذا الانتظار المرير.

كم تتمنى أن تبكي الآن.

عند البكاء تدرك إسراء جزءًا من نفسها. عند البكاء تتذكر من “هي” في ذلك الوقت قبل أن يبدأ أيّ شيء من هذا. 

في سوريا لم تكن عائلتها تابعة للحكومة، ولم تكن مرتبطة بأيّ حركة أخرى. كانوا مثل العديد من الناس  ينشدون الحياة البسيطة لا أكثر؛ “حياديين” ليس لديهم وجهة نظر سياسيّة معيّنة، لكن عندما يتعلق الأمر بالوطن، فإنّهم يحبّونه بعنف مع ترابه الأسمر، وبساتينه غير المتناهية في الجمال، وجباله الخضراء الشامخة. 

في سن العشرين -عندما كانت الحرب قد بدأت لتوها- كانت إسراء تركّز -في المقام الأول- على الجامعة، وعلى أن تجد –أيضًا- فرصة عمل مناسبة في دمشق أو حلب. كانت تدرس الهندسة، لكنّها كانت -أيضًا- تنجذب إلى الفن والموسيقى، سواء كانت آليّة أو موسيقى عاديّة، فكانت إسراء تبحث عن الإبداع فقط ؛  تبحث عن صنع أشياء جديدة مختلفة. كانت مبدعة وخلوقة منذ أن كانت صغيرة، وبعد ثماني سنوات مازالت تحاول أن تصنع شيئًا ما لنفسها في محاولة شجاعة لجعل شيء ما -خارج التوقعات- يحدث لمستقبلها الذي يكون كالعادة ويجري تسليمه لها. 

في الأيام الأولى من الاشتباكات في “عام 2011” داومت إسراء في الجامعة لمدّة عام. كانت تأمل  وتفترض أنّ المناوشات -لا ريب- ستنتهي.

 لم تكن إسراء جاهلة بما كان يحدث في ذلك الوقت، ومنذ الصباح الذي حلقت فيه أول رصاصة كان لديها شعور عميق بأنّ الأمور تتغير دائمًا. كانت تتغيّر مع بلدها، حيث أصبحت هناك ستارة سميكة “تحجب الحب والضوء”، وعندما تُغلقُ تنسدل -ببطء وكثافة- أمامها. 

في تلك الأيام ، وبعد انتهاء محاضرتها، كانت تجلس مع صديقاتها ليتحدثن مع بعضهن عن أيّ شيء يمكن الحديث عنه لتناسي القلق العميق بشأن ما قد يحدث. كان ألم القلق ممّا يمكن أن يحدث أسوأ بكثير من الألم الذي كان يحدث في الحقيقة.  

بحلول منتصف “عام 2012” لم يكن هناك شيء مؤكّد. بدأت مخاوفها العميقة- التي كانت في يوم من الأيام أسوأ السيناريوهات- تلتقي مع الواقع. حتى هذا اليوم تستطيع إسراء أن تتذكر -بوضوح- تلك الأيام التي تجمعت فيها مخاوفها، منتقلة من عقلها إلى جسدها، من أفكارها إلى رئتيها وقلبها وبطنها. 

الآن -في “عام 2019”- لايزال بإمكانها الجلوس لساعات متذكرةً بداية كلّ شيء، بداية التغيير الذي لم يتوقف بعد، وبمجرد أن تغفل عيناها يمكنها أن تستحضر مشاهد تلك الأماكن المقلقة وروائحها، التي صارت أنقاضًا، ولن يرى أبناؤها -أبدًا- ذلك بعد أن يَرِثوا عنها تلك القصص.

إنّ الأفكار التي لا تهدأ في ذهنها –الآن- هي ذاتها التي كانت تشغلها في تلك الأيام، وتجعلها تفكر وتفكر،

ثم تفكر أكثر. 

[ماذا لو تفاقم الصراع؟]

[ماذا لو وصلت التهديدات إلى قريتنا؟]

[ماذا لو كان علينا مغادرة المكان؟]

[ماذا لو لم أستطع إنهاء دراستي؟]

[ماذا لو فقدت أصدقائي؟]

في “عام 2012” تكدست تلك الأفكار مثل الطوب في ذهنها. في ذلك الوقت -تحديدًا- كانت تعرف أنّ مثل هذه الأسئلة كانت فرضيات على حدود غير عقلانيّة قائمة دون داع؛ معظمها جاء ليمرّ، وعلى الرغم من هذا، فإنّ الإدراك المتأخر قد علّمَ إسراء أن لا تُخمد ذرّات الحقيقة التي يجلبها خوفها.

مع أنّ طبيعة أفكارها قد تغيرت كثيرًا منذ أيام الحرب، إلّا أنّ القلق وعدم اليقين استمرّا دون هوادة.

مثل هذه الأفكار كانت تهمس في عقلها بصمت، فقد اعتادت هذه الافكار ان تتعبها حيث كانت ثابتة، و عنيفة. لقد وضعوها في وجهها كقطّة ملقاة في الماء البارد، وكانت محمومة ويائسة وتحتاج أن تتنفّس؛ تحتاج إلى الخروج. 

بالتأكيد مثل هذه الأفكار كانت خاصة بها. لم تشاركها -أبدًا- مع أيّ شخص، ومازالت لا تفعل. 

لم تكن تريد أن تُحمِّل أيّ شخص آخر ثقل أفكارها. لقد ألقت على تلك الأفكار -في ذهنها- تلك الأثقال ذهابًا وإيابًا كونها تظنّ أنّ التعبير عنها لن يساعد أيّ شخص تحبّه، فالجميع يفكر بالشيء ذاته؛ هي افترضت ذلك، فلماذا تكلف نفسها عناء المشاركة؟ لماذا تضيف إلى آذانهم تلك الأصوات المرتعشة؟ كلّما يتفوّق عليها الشك والخوف –الآن- لايزال لديها نفس التفكير. من بين كلّ تلك الأشياء التي تغيرت ظلّت غير راغبة بجعل من حولها يتحمّلون تبعات أفكارها أيضًا. 

كانت إسراء خائفة في أيام الحرب، لكنّها متماسكة كما كان متوقعًا منها، خاصة أمام شقيقتها الصغرى “هدى”. كانت الشقوق في جدران قلعتها التي شيّدتها واضحة، لكن -مع كلّ ما حدث- كانت لاتزال محتفظة بتلك القلعة. 

بحلول منتصف “عام 2012” هربت اثنتان من أفضل صديقاتها إلى لبنان. كانت مشاعر الوحدة تتسع حولها، ولم تستطع فعل أيّ شيء سوى المراقبة. كانت دائرة الأصدقاء الذين تتحدث معهم بعد الصفوف الدراسيّة تتقلّص بسرعة أكبر ممّا كانت تتخيله، حتى في أسوأ أفكارها. هكذا صار يغادر الناسُ واحدًا بعد الآخر. بقيت صديقتها مروة فقط، فكانت بجانبها على الأقل.

على الأقل مروة لم تتغير مثل كلّ شيء.

أصبحت الأشياء في البقالة أكثر تكلفة.

حاصرت الحواجز الشوارع بأشكال وأعداد متزايدة في كلّ يوم. 

كان أصدقاء أخيها أحمد إمّا يغادرون أو يُجنَّدون للقتال. 

صارت أمّها تغنّي أكثر في المطبخ ، الأمر الذي جعلها قلقة أكثر. 

كانت تشعر بثقل الأفكار على صدرها، وبعض الأثقال غير المرئية التي لا تتركها بمفردها أبدًا. 

فيما يتعلّق بإسراء كانت نهاية “عام 2012” بمثابة نهاية للعديد من الأمور. قبل ست سنوات ونصف غيرت مكالمة هاتفية قصيرة حياتها. قبل ست سنوات ونصف أكّدت بعض الكلمات القصيرة أنّ مخاوفها وكلّ الأشياء التي كانت تقلقها – ربّما- لم تكن كافية، وربّما -حتى هي- لن تبقى على قيد الحياة.

بعد ذلك بأشهر في صباح بارد مقيت في مارس / آذار 2013 رفعت إسراء حقيبتها الصغيرة على ظهرها. إنّها أثقل حقيبة يمكن أن يحملها إنسان على الإطلاق بلا أدنى شك. أغلقت باب غرفتها بأسى. كانت تسير في الطابق السفليّ، وتُغلق –برفق- الباب الحديدي الذي ينفتح على غرفة المعيشة. كان والدها يمسك بيدها الصغيرة ويرافقها إلى السيارة. لقد أغلق الباب بصوت عالٍ جدًّا. ربّما للأبواب صرخات أيضًا. ربّما كان يعلم أنّه الوداع. 

إسراء لن ترى غرفة طفولتها مرة أخرى.