القصة – رحلة من نوع آخر 

عندما زارت إسراء الطبيبة كرهت مكتبها ولم تشعر بالراحة فيه، فقد كانت جدران المكتب صفراء مخضرة.

كان غرض إسراء من زيارة الطبيبة الحصول على تشخيص سريع لحالتها، فقد اعتقدت أنه تسمّم غذائي، ولهذا بدا الانتظار غريبًا بالنسبة لها.

[لماذا تأخذ كل هذا الوقت؟] لم يخطر ببال إسراء أن تجلب قصي معها لمجرد شعورها بالغثيان .

عندما دخلت  الطبيبة. إسراء تجمدت في مكانها وانكمشت بينما كانت تغلق الباب فجأة.

كان عقل إسراء يركض بعيدًا أثناء ذلك الصمت الذي سبق فتح الطبيبة لملفها الشخصي.

[“أنتِ حامل.”] 

إسراء لم تتثبتْ من الكلمات. 

أجابت : [“عفوا، ماذا؟”]، هي لا تعرف بالضبط ما الذي قيل للتو. 

[“إسراء”..  سيكون لديكِ طفل.”] 

كانت لا تزال إسراء صامتة. تبتلع ريقها مليًّا وهي تجول بنظرها حول الغرفة، ثم تنظر إلى الطبيبة ذات العيون العسلية والنظرات اللطيفة. 

مباشرة دفعت إسراء بالأفكار خارج عقلها: [طفل .. هنا؟ في هذا المكان؟]

استشعرت الطبيبة حقيقة أفكار إسراء المتضاربة. 

[“إسراء” … ستكونين أمًا رائعة.”] 

لم يكن مصدر قلق إسراء من كونها أم جيّدة أو لا.. فقد تهيأت من قبل لتكون أمًّا جيدة، وكانت أمًّا رائعة لأختها هدى خلال سنوات مراهقتها. لم تكن قلقة أبدا من كونها أم جيدة أو لا . 

جلستْ إسراء بصمت وهي تتساءل : [كيف أشعر؟] 

بالفرح.. بالنسبة لها كان بالكاد يمكن التعرف على الفرح. لقد مضى وقت طويل منذ أن شعرت إسراء بهذا الشعور.. شعرت بشيء من الدفء المتوهج في صدرها رافقه استرخاء في عضلات ذراعيها. في هذه اللحظة  شعرت إسراء وكأنها وضعت في حمام دافئ. دون تفكير، ودون أيّ تردّد، قامت إسراء وعانقت الطبيبة بشدة. 

ابتسمت إسراء. 

فرحة نادرة ولطيفة على قلبها شعرت بها في تلك اللحظات بعد اكتشاف حملها، وهذا ما جعل أخبار كندا أكثر إرباكًا. 

لقد أعلم  قصي إسراء بخبر كندا بطريقة مفاجئة. للمرة الثانية وفي غضون أيام قليلة كان قصي يشعر بالدوار. 

عندما أخبرها بعد ظهر ذلك اليوم بينما كانت تصنع القهوة، أرادت إسراء أن تشاركه ردة الفعل. 

فكّرت إسراء بأمّها كم ستكون سعادتها غامرة عندما تسمع أنّها ستكون جدّة قريبًا. فكّرت في قدمي طفلها الصغيرتين في المستقبل اللتين تركضان أمامها بين العشب، ثمّ على الغبار والتراب، ثم تركضان بين العشب، ثمّ أقدامها تركضان بين الأشواك. 

كانت أفكارها تحوم حول: الفرح.. الخوف.. الغضب.. والحزن، لقد تراكضت مئات الأفكار في دوائر صاخبة في ذهنها وبقي الضيق منكمشًا في معدتها. 

[لماذا الآن؟ هل يمكن لوالديّ أن يأتيا أيضًا؟] 

كانت يدا قصي دافئتان على أمل أن تحاكيا الدفء الذي كان يشعر به في داخله، فتحت إسراء فمها مع  فكرة بسيطة عما تريد أن تنطق به.

[“سأذهب إلى أي مكان تذهب إليه.”]

عبرتْ إسراء بهذا عن أملها في أن يفهم قصي ذلك على أنّه رد فعل رومانسي وليس مجرد استسلام.

[الطفل سيكون آمنًا.]

[هل سأرى عائلتي مرّة أخرى؟] 

ولمرّة أخرى، إسراء لم تعرف ما شعرت به في تلك اللحظة. 

عندما وضع قصي رأسها على صدره وحضنها فيما يعدّه شيئًا من العون و الراحة، استراحت معه وعيونها مفتوحة متسعة. 

كانت السنوات الست الماضية قد علَّمت إسراء أن التوقع والترقب بخطورة الحرب نفسها. في هذا الوقت تخلتْ عن جانب من الفضول الذي تملّكه وابتهجت بينما هي تحتضن زوجها. 

استغرق الأمر منهم بضعة أشهر فقط لتجاوز جميع المقابلات والإجراءات المطلوبة. 

عائلتها متفائلة بما هم مقبلين عليه، وقد تقبّلت العائلة هذه المرحلة الجديدة من العيش بعيدًا عن الحرب، لكن رغم ذلك لم تكن العائلة معتادة الانفصال بهذه الطريقة. في ستّ سنوات، عانت الأسرة كثيرًا و مرّت بكثير لكنّها لم تجرب الفراق أبدًا . 

لا، لم تشعر بأنّها الصدمات ذاتها التي عاشتها في الأعوام الماضية، لكنّها مع ذلك شعرت بشيء من الخسارة. شيء ما على وشك أن ينتهي، وبالتأكيد، فإنّ مغادرة أحمد وإسراء وانفصالهما عن العائلة ضمنا مجموعة من البدايات الممكنة لتقبّل التغيير، لكن لم يكن أيّ منها واضحًا في ذلك الوقت. 

بينما بدأت إسراء بتحضير حقيبتها، شعرت كأنها تُقطع من أهلها. لم يسبق لها أن تركت أمّها لأكثر من ثلاثة أيام منذ اليوم الذي ولدت فيه. 

[هل هذا ما يشعر به الإنسان عند الموت؟ لماذا أشعر هكذا كأنني أفقدها؟] 

تساءلت إسراء عمّ إذا كانت قد جُنّتْ بينما هي تحزم أمتعتها في الحقائب. 

[يجب أن أكون سعيدة .. أنا سعيدة. هل يمكن أن أكون سعيدة وحزينة معًا؟] 

شعرت بالاشمئزاز من افتقارها للبهجة وقلة شعورها بالسعادة. كان قصي مبتهجًا وإسراء متعبة من التظاهر بأنّها بخير. 

العالم الذي غادرته إسراء في نهاية عام 2017 عندما رحلتْ من المخيم مع قصي وطفلها الذي في بطنها، كان لا يزال لغزًا غامضًا بالنسبة لها. كان قالبًا لم تفهمه أبدًا وعالمًا من المواقف والأحداث التي لم تعرف بوجودها حتى في تلك الحكايات الخرافية البعيدة. إسراء حريصة على الرحيل لكنها مذعورة مما يعنيه هذا الرحيل وانعكاسه على حياتها. 

هناك في قلبها، لم يكن الخوف من الانفصال عن أهلها موجودًا وحده. إسراء شعرت بأنها محظوظة. وشعرت أيضا بأنّها مذنبة. 

[محظوظة .. خائفة .. مذنبة ..] 

تساءلت لماذا الحظ هكذا يشعرها بكثير من الخو؟ ولماذا شعرت بالخوف والقلق من أن تخبر أحدًا أنها مغادرة؟ 

بينما هي تطوي الملابس برتابة في الحقيبة سألت إسراء نفسها :[ لماذا نحن؟] في ذلك الوقت عندما انحنت إسراء على  الحقيبة عادت بذكرياتها مرّة أخرى إلى الوراء إلى ذلك اليوم الذي فارقت فيه سوريا.

[حقيبة مختلفة.. معبرٌ مختلف، ولكن القلق نفسه.] 

[إلى أين سنذهب؟ متى سنكون قادرين على العودة والزيارة؟ ثلاث سنوات؟ أو أكثر ؟] 

لم تصدّق إسراء أيًّا مما كانت تسمعه. لم تكن لديها حقًا أي فكرة عما إذا ما يمكنها العودة لرؤية والديها يومًا ما. كلّ ما كانت تعرفه هو أنّ والديها يريدان منها أن تفعل ذلك. أصرّا على أن هذا ربّما يعطي فرصة لهم جميعًا للانتقال إلى كندا في نهاية المطاف. 

غادرت إسراء المخيّم في الصباح الباكر بعد أن أنهت تحضير أغراضها وحقائبها. 

لم يكن أخوها هناك لرؤيتها بينما هي تقبّل والدها وأمها وأختها الصغيرة هدى مودعةً إياهم. في آخر مرة تركت فيها البيت أو على الأقل ذلك المكان الذي عاشوا فيه جميعًا كان أحمد يمسك بيدها. هناك عند الحدود الأخيرة التي عَبَرَتْها كان الرصاص يلاحقها، غير واثقة إذا ما كانت ستعيش لترى هذا مرة ثانية، لكنها وحيدة بما يكفي لأن تكون متحصنة. أحمد حافظ عليها في تلك الليلة بجانبه على قيد الحياة. 

إلى درجة ما، اعتقدت إسراء أنه دورها الآن. دورها كي تتجاوز أكبر المخاطر وتذهب حتى لو كان ذهابها إلى المجهول لعلّه يُعاد لمّ شملهم مرّة أخرى. 

بينما إسراء تسير مع قصي إلى الحافلة عند الخروج من مدخل المخيم، فكّرت كثيرًا بأخيها أحمد، فكّرت بذلك الوداع الفريد الذي لم تحظَ به، عندما كانت تخطو بقدم أمام الأخرى شعرت بأنّ ساقيها تزداد ثقلًا و عجزًا . مع كلّ خطوة توجد ذكرى تضع لها بذور في هذه الصحراء. 

للحظة واحدة تردّدت إسراء. لكنها عدلت قبضتها على الحقيبة التي تحملها، ووضعت قدمًا أخرى في خطوة للأمام.  

تركت الأفكار تعود بها إلى لحظة وداعها مع أحمد؛

قالوا وداعًا حينذاك دون أيّ مظاهر أو ادّعاءات كاذبة. لم ينطقوا بكلمة واحدة مبتذلة، عند الرحيل لا يوجد شيء مبتذل. لم يَعِدْ أحدهم الآخر بأنّهم سوف يرون بعضهم بعضًا مرّة أخرى. لقد حدثت أشياء كثيرة مما يجعل من الصعب أن ينطق أحدهم بكلمة لا فائدة منها. 

عندما ودّعا بعضهما كان أحمد يرتدي حقيبة الظهر نفسها التي حملها من سوريا إلى الأردن. كانت قد تغير لونها. أحمد علم أنه سيحتاج إلى الحصول على واحدة جديدة إذا أراد أن يصل إلى تركيا مع أيٍّ من ممتلكاته. 

إسراء سلمتْ له رسالة.

وقد أخبرته حينذاك: [“لا تقرأها ما لم تضطر إلى ذلك، وستعرف متى ستضطر إلى ذلك”.]

سألها أحمد  [“ماذا كُتب فيها؟”.]

[“لا تكن أحمق، بلا أدنى شك أنّني لن أخبرك.”] 

طوى أحمد الخطاب الصغير بقدر استطاعته ووضعه في السحّاب الخاص الذي خاطه في سرواله. إنّه جيبه الخاص حيث يحتفظ فيه بهويته ونقوده، في حال تعرّضت أغراضه للسرقة أو للضياع. 

احتضن أحمد أخته بقوة، واثقًا من أنهما سيتحدثان قريبًا مع بعضهما. 

قال لها أحمد: [“لا أعتقد أنني سأراكِ هنا مرة أخرى، في هذا المكان”.] 

ضحكتْ قائلةً: [“يا الله، لا أتمنى ذلك أبدًا، حاول أن تجد وظيفة جّيدة. نتكلّم قريبًا إن شاء الله.”]

ودّع أحمد بقية العائلة. قبّلهُ والده على جبينه، وقبلته أمه بحنان شديد على خديه غير قادرةٍ على إخفاء دموعها. لم يستطع أحمد منع دموعه عند تلك اللحظة.

ترك بضع قطرات صامتة من الدموع تسقط على خديه بينما كان يهمس شيئًا لوالدته سيأخذانه إلى قبورهما، وأخيرًا، عانقت هدى أحمد بشدة. كانا بالطول نفسه تقريبًا، رغم ذلك إلّا أن أحمد عانقها كما يعانق طفلًا صغيرًا. 

خرج أحمد من الباب في صمت تام، وأغلق الباب خلفه بلطف بالغ، نظر إلى إسراء كأنّه يذكّرها للمرة الأخيرة بأنّه ما زال هنا لحمايتها وحراستها.

بعد أقل من عام من ذلك، كان دور إسراء لتقول وداعًا. بطريقة ما كانت المرة الثانية أقل حُرقةً وألمًا، فقد كان أحمد في أمان وأموره تسير بشكل حسن في تركيا. لقد تعلمت الأسرة جميعها كلٌّ في موضعه الخاص أن تتقبل هذه المسافة التي أشبه ما تكون بحل وسط للبقاء على قيد الحياة. ذلك الانفصال الذي حدث وفرقت شمله البحار كان  فصلًا آخر في قصة العائلة التي لم يجرؤ أحد على تخمينها أو توقعها.