القصة – عندما يصبح الضوء أكثر إشراقًا

التقت إسراء بـقصي وتزوجا بشكل سريع.

كأيّ فتاة، تخيّلت إسراء التفاصيل التي تتعلق بزفافها كلّها، بزوجها، وحتى بمكياجها. تخيّلت نفسها كيف ستكون مهندسة من الطراز العالمي وأمًّا حنونة بلا عيوب في الوقت نفسه. حتّى فيما يتعلّق بشعر بناتها، وحفلات الزفاف الخاصة بأطفال المستقبل. تلك هي التخيّلات التي كانت ستقارنها مع مروة في الأحاديث التي استمرت غالبًا حتى شروق الشمس.

لم تفكر إسراء في الزواج منذ بدء النزاع. أحبت فتىً كان زميلًا لها في الفصل الدراسي في سنواتها الأولى في الجامعة، اسمه عدنان، قُتل في عام 2015. كلّ يوم كانت إسراء تختار مقعدها في قاعة المحاضرات بعناية حتى يتسنّى لها رؤية عدنان في المكان الذي يجلس فيه أولًا.

بعد عامين فقط في المخيم تقبّلت إسراء فكرة الزواج. بدا الحب بعض الشيء سخيفًا فارغًا من معناه بالنسبة لها، الآن تذكر إسراء القليل من الناس في المخيم قد وقعوا في الحب، لكنّهم جميعًا لم يفهموا حقيقة الاستقرار.

تأمَل إسراء في أن يكون الزواج مستقرًّا هادئًا على الأقل. أن يكون يدًا أخرى للتشبث بالسلامة، لأنّ المستقبل بلا ريب كان ذا أسنان حادّة.

صلّت إسراء ودَعت لتستخير الله في شأن زواجها. صلّتْ من أجل أن ترزق الحكمة في القرار والقدرة على معرفة الخير من الشر في هذه الخطوة، صلّتْ من أجل الفرصة. صلّتْ من أجل قرارات والديها وأحكامهم.

خِطَط أخيها لمغادرة الأردن خفّضتْ من تفكيرها بالزواج شيئًا ما. في المخيم، ظلّت أمورهم وأحوالهم دون تغيير لمدّة عامين. في عائلتهم المباشرة، لم يمت أحد. لم يمرض أحد بشكل مؤذٍ. سواء كان الأمر هنا أو هناك في الوطن، العائلة كانت ستتوسع وتكبُر. إمّا أن تتزوج هي أو أحمد، على أيّ حال إنّه أمر لا مهرب منه.

التغيير المحتمل الذي أحدثه الزواج لم يكن مأساويًّا. إسراء رحّبت به واستقبلته بشكل هادئ. شعرت بأنّها طبيعيّة، ربّما هو التغيير الطبيعي الوحيد الذي عاشته إسراء خلال ثماني سنوات من الحرب.

ثمّ قابلت قصي. عرفه والداها من بعيد، وعرف أحمد عائلته.

كان رقيقًا ذا قلب حاضر، طويل القامة، بطبيعة الحال مع لحية مخففة ومقصوصة بعناية، حتى تساءلت إسراء كم من الوقت قد قضى في كلّ صباح لضمان عدم تعدّي الشعر ما وراء الخط الذي حدّده بدقّة عند فكّه. كان مهندسًا طموحًا، مثلها، شغوفًا بالكتابة. في اجتماعهم الرسمي الأول، تشاركوا، واستمتعوا، وبطبيعة الحال أحرجوا بعض الشيء، من الأشياء الوحيدة التي جلبها كلٌّ منهما من المنزل كانت دفاتر الملاحظات. إذ كانوا يعرفون حقًّا ما الذي سيفتقدونه.

لم تكن إسراء واقعة في حب قصي، لكن ذلك لا يعني أنّها كانت تملك أيّ اعتراضات عليه، وبحلول تلك المرحلة من حياتها، بدا انعدام الاعتراض أكثر ندرة وترفًا مما شعرت به.

بالتأكيد، كان زفافها بعيدًا عمّا حلمت به إسراء وتخيلته. لم يكن هناك حفلة، ولا حتى وليمة. لم يكن هناك أضواء مثل تلك التي رأتها في باب توما في عيد الميلاد.

إنّ الزواج لم يكن مثاليًّا. ليس لخطأ من زوجها، ولكن ببساطة لأنّ القلب الذي حملته إسراء في المخيم كان بعيدًا جدًّا عن ذلك القلب الحالم الذي اعتادت أن تحلّق به في سماء الأحلام. تتغيّر الآمال والأحلام بتغيّر الظروف و تراكم الأيام، لا شيء يبقى كما كان، حتى الأحلام التي بكينا لأجلها يومًا ربّما تغادرنا يومًا ما.

قد يستغرق الأمر سنوات كي تحب إسراء قصي بالطريقة التي تعرفها وترضاها. قد يستغرق الأمر سنوات بالنسبة لها للمصادقة ولتدخل ذلك الجزء من نفسها الذي يمكن أن يشعر بالعاطفة والهيام.

طوال سنواتهما الأولى من الزواج، لم تعرف إسراء ولا قصي كيف يبنيان علاقة حقيقية. لقد أمضى كلٌّ منهما سنوات في فقدان الناس الذين كانوا بطبيعة الحال جزءًا مؤثرًا في حياتهم. كلاهما قد تراكمت لديه سنوات من الدمار وتردّد في بناء علاقات جديدة . لم يُضف أيٌّ منهما أشخاصًا جددَ إلى حياتهما لسنوات عديدة مما جعل الأمر أكثر حساسية، كانا يعدّان الخسائر أكثر من الإضافات.

كان الاعتراف بآلامهما، وماضيهما، خطوة بخطوة، هو الرابط الذي جعلهم أقرب وأقرب.

في أواخر عام 2016، تلقّت إسراء مكالمة هاتفية أخرى كان من شأنها تغيير حياتها.

إسراء في المطبخ، تصنع القهوة، وتتلو الصلوات نفسها التي كانت والدتها تهمس بها بعد أيام من وفاة مازن. كانت إسراء تصلّي من أجل شقيقها، لمروره ورحيله الآمن.

رجع قصي إلى البيت، تملّص رأسه من الباب بشكل مفاجئ. يفزع قلب إسراء قليلًا كلّما رأت زوجها يتملص من الباب هكذا. كانت سعيدة لأنها تزوجت من رجل طويل القامة.

دخل قصي إلى المطبخ، ولا يزال يحمل حقيبة ظهره . كانت قطرات العرق تتلألأ في وجهه من أثر رحلة عودة طويلة بالدراجة من العمل.

لقد وضعت القهوة.

أخذها بكلتا يديه. كانت يدا قصي باردتين ورطبتين. حاولت إسراء جاهدة محاربة ذكريات ليلة عبور الحدود، عندما سحبتها يد أحمد المتعرقة والباردة عبر متاهة من الرصاص.

شعرت بقطع من البلاستيك بين أصابعها. أغلقت عينيها بإحكام وهي تحارب وميض ذكرياتها الساطع.

كانت يداها متجمّدتين أيضًا، حيث إنّ المطبخ مسوّر بالقصدير، ولا يوجد عازل.

قال لها “حياتي”، كانت ابتسامته لا تزال مشرقة.

ما الشيء الذي من الممكن أن يكون …؟ ما الشيء الذي يجعله سعيدًا للغاية؟ معدة إسراء انكمشت، شعرت بوخز الجوع العصبي. شعرت بالغثيان والبلع بسرعة لمنع أعصابها من الانتقال للتأثير في ما هو أبعد من بطنها.

“اتصلوا. يريدون منّا أن نذهب إلى كندا. إعادة التوطين. كانت عيون قصي واسعة وبرّاقة. لم تلاحظ إسراء الاختلاف الطفيف في اللون بين الاثنين.

وضعت إسراء يدها على الموقد دون علم. التفتت مرة أخرى إلى الخلف، واضعة يدها على صدرها لتتحقق من نبضات قلبها.

 يا إلهي … و أمي؟

هل سأستطيع رؤية أخي؟ و هدى؟ تسابقت الأفكار في عقلها.

كانت غير مدركة للابتسامة التي اعترت وجهها، مسننة، ومطابقة لقصي. الذي قرأها كـفرحة.

“ماذا؟ هل أنت متأكد؟ “سألته.

“اييييه، علينا أن نذهب لإجراء مقابلة الأسبوع المقبل ” رد بثقة.

الحمد لله يمكننا المغادرة.

لا أريد المغادرة. وأنا أكره هذا المكان.

لا يمكنني تربية طفل هنا، ولا يمكنني تربية طفل بمفردي .

كانت إسراء قد اكتشفت أنها حامل قبل أيام قليلة من هذا الخبر