القصة – عندما ينقضّ عليك الضغط

بعد موت مروة تراوحت أحلام إسراء بين أحلام مملة وأخرى مروّعة. لم تكن مروّعة في أنّها كانت عنيفة طيلة الوقت “رغم أنّها كانت في بعض الأحيان كذلك”، لكنّها مروّعة من حيث بدت أنّها متعمّدة ومكتوبة وموجّهة من قِبل جزء شرير من نفسها، الذي عَرف -بالضبط- كيف يتسبّب بألمها. 

بعد حلول العام الجديد بفترة وجيزة حلمت إسراء حلمًا أخذ عقلها وجعل قلبها يتحطم، الأمر الذي جعلها على يقين من أنّ الأمور لن تسير على ما يرام مرة أخرى، وأنّها لن تكون بخير مرة أخرى. 

ما زالت تتذكر ذلك، وقد كتبته في خطاب بعد مرور سنوات لتحتفظ به لنفسها. لقد كانت بحاجة إلى مثل ذلك. إنّ أسرارها العميقة -سواء كانت جيدة أو سيئة- يمكن أن تظهر وتطفو في أشد الأوقات غرابة، ممّا يجلب لها الفرح لتمكنّها من التغلب عليه، أو يجلب لها الألم بعد الفقدان. 

 لقد كتبت:

[عيد الميلاد في دمشق هو الوقت المفضل لدي في السنة. سارة ومريم، أولئك الفتيات “الفتيات من صف الفن” اللواتي قدمنني لأول مرة إلى أضواء وأصوات في باب توما في “ليلة العيد”].

[أتذكّر السنة التي تساقطت فيها الثلوج عشية عيد الميلاد. كان عمري خمس عشرة سنة. كانت هناك عاصفة سريعة بعض الشيء، وكان من المتوقع أن تلقي بثلوجها على أعالي الجبال فقط. على حين غرة -بمفاجأة جميلة للجميع- غطى الثوب الأبيض المدينة بأكملها، تاركًا وراءه خمسة سنتيمترات فقط في وسط المدينة، لكنّها فتحت فرصة مذهلة -لو لمرّة واحدة- “لرؤية عيد الميلاد بالثلج”  كي نرى ما هو خيال وغير محتمل في مناخنا].

[توسّلت إلى أمّي كي تسمح لي بالخروج مع الفتيات في تلك الليلة لرؤية العالم عندما يكتسيه البياض مع زينة باب توما وبهجته. “أمي” لم يكن لديها أيّ مانع لتقول نعم، لأنّها كانت تعرف أنّ تساقط الثلوج في وقت مبكّر من المحتمل أن لا يحدث مرّة أخرى على مدى عقود في هذه المنطقة. إذا نظرنا إلى الوراء، فإنّ الأمر يبدو -الآن- كأنّه لوحة رائعة مرسومة بعناية فائقة، سرياليّة تتعدّى حدود الواقع والمنطق إلى الخيال، ليس أيّ خيال، إنّما الخيال العذب الساحر. عالمٌ أبعد ممّا كنت سأطلبه حتى الآن]. 

[اضطررت إلى ارتداء معطفين. شددتُ غطاء رأسي مع حجابي، وشعرت بالامتنان لطبقة الدفء العذبة التي شعرت بها، التي كان من المؤكد أنّ مريم وسارة تذوّقتاها طويلًا لأنّهما كانتا تمشيان في الشوارع الجليديّة. خرجت إلى الشارع مع شعور غامر بالبهجة. قبضتُ على يد سارة لتساعدني على النزول إلى الشارع. كدت أنزلق من العجلة]. 

[في تلك الليلة كانت الأضواء معلقة في منطقة “باب توما” بكاملها؛ متاهة ملفتة من بقع الثلج المتلألئة في تقاطع فوقها. لقد تحركنا صعودًا لدقائق لنصل إلى نهايتها، فمٌ مفتوح لاستقبال ثلوج صغيرة. بعد العاصفة كانت تطلق قبضتها من أسطح المنازل الرطبة حتى تأتي وتنضم إلى الاحتفالات على مستوى الشارع]. 

[شربنا السحلب الساخن معًا، وجلسنا على مقعد في الحديقة بينما كان “بابا نويل” يتجول حول الأطفال الرضع الباكين وغيرهم من الأطفال الصغار من جميع الأحجام والأديان. كانت السعادة بـأبهى صورها، وكان السحر بأجمل عروضه، وكان الحب بأجمل فصوله].

استيقظت إسراء من هذا الحلم باكية محزونة تتخطفها يد الأسى. فتحت عينيها بتثاقل، إذ كانت دموعها الجافة في مكانها قد غلّفت أهدابها وغطتها. تحولت إلى جانبها الآخر راغبة في العودة إلى النوم وتذكر المزيد من هذا الحلم المبهج، أو ربما العودة للعيش فيه. لم تشعر بالاطمئنان بينما كانت مستيقظة منذ أكثر من عام، وحاولت يائسة العودة إلى النوم في ذلك الحلم الذي تلاشى. 

كان هذا أول حلم مطمئن دون اضطرابات تمر به منذ وفاة مروة. 

بعد أن عجزت عن النوم، غير قادرة على أن تعثر على الباب المخفي لعالم النعيم الطفولي البريء في دمشق الجميلة وغير المحطمة، وجدت نفسها تترك الفراش. 

كلّ شيء في خزانة ملابسها بدا حزينًا ومملًا وتنقصه الحياة. التقطت سترة وجينزًا بلا وعي لترتديهما.

كانت تسرّح شعرها بحنق وفتور، بطريقة أقلّ تفريشًا واهتمامًا. كانت تترك يدها تسقط من أعلى رأسها إلى جانبيها بكسل. التقطت كحلها لتضع شيئًا يخفي كآبتها، مع العلم أنّ أمّها ستشعر بحزنها- بسرعة- إذا لم تواريه حتى بالحدّ الأدنى من التجميل.

كانت المرآة باردة تكسوها الرطوبة بعد ليلة شتويّة طويلة ومدفأة مطفأة. اقتربت لوضع مكياجها، وتجنّبت  الاتصال المباشر بالنظرات مع المرآة.

عندما بدأت بعينها الثانية التقطت إسراء- عن طريق الخطأ- نظرة مباشرة إلى نفسها.

[أين هي؟ أين إسراء؟ أين أنتِ يا إسراء؟] فكرت بحزن وغضب.

ارتعدت يدها لأنّها حاولت أن تضع كحلها بعناء شديد. كانت يدها مرتعدة مهزوزة قد لطخت خدّها الأزهر بالكحل. 

أسقطت القلم، ووضعت يديها على فمها وهي تلهث في الهواء وتبدأ بالنشيج. 

في تلك اللحظة عرفت إسراء أنّ قلبها كان غارقًا تمامًا. كان قلبها وراء حاجز لا تستطيع تجاوزه أو حتى النظر من خلاله. عقلها لم يعد يستوعب الأمر. 

“فكرت”: [أين الضوء؟]

ركضت نحو الباب لتشغل الضوء في غرفة نومها .. تشغله وتطفئه .. مرة للخارج، ومرة أخرى للداخل على أمل أن تتمكن من التقاط أنفاسها ممّا يحدث. هذا الشعور الذي جرّها إلى مكان أشعرَها بالخوف والريبة، حيث لم تكن تعرف نفسها ولا أيّ شخص آخر من حولها.

وضعتْ إسراء نفسها في قوقعة من أصوات قادمة من عذاب الماضي. كانت تتراكض بحريّة في عقلها المتعب. 

[أنتِ طويلة جدًّا] “لقد عادت تلك الذكريات بخصوص طولها مرة أخرى”.

فصولها الدراسية والجدران الصفراء هي نفسها. 

رائحة الدخان.

صوت الطيور خارج نافذتها.

لقد ماتت …

أمالت إسراء رأسها إلى الوراء، وغاصت في أعماق هذه الأفكار. لقد رفعت رقبتها للأعلى فوق ما بدا .. كأنّها غرقت في الرمال المتحركة وتحاول النجاة. غرقت هناك في حفرة عميقة لم تستطع العودة منها. 

[لن تشعري بالسعادة مرة أخرى.] حاولت إسراء تجاهل ذلك؛ كافحت لذلك. كلّ علامة من الكحل تطبيق عملي وحقيقي لقوة الإرادة.

[سوف تموتين هنا.] إنّها لم تغرق في هذا المكان من قبل، ولم تصل إلى هذا التفكير من قبل.

كان هذا جديدًا تمامًا. كان هذا أكثر بكثير من اللازم.

انتهت من وضع  كحلها، ووقفتْ، ثم نزلت إلى الطابق السفلي للمساعدة في إعداد الإفطار.