القصة – عند خسارة كلّ شيء

عانت إسراء من ذكريات الماضي الفظيعة خلال معظم سنواتها الأولى في المخيّم. حتى أنّ النعاس جلب معه الخوف والأسى، لا توجد راحة لأنّ الذهاب إلى النوم يعني إعادة إغلاق الباب وسماع ذلك الصوت الذي له خلفية موجعة في نفس إسراء، ذلك الطابق الملطخ بالدماء، مكالمة هاتفيّة مفاجئة من شقيقة مروة، وسوف تستيقظ من الاختناق- حتمًا- وهي قلقة قليلًا بشأن أحلامها وأكثر قلقًا بشأن إيقاظ  الصغيرة هدى، التي تنام وتبقى نائمة بصعوبة بالغة.

أصبحت أحلام الفرح و البهجة من أوقات أكثر سعادة في الماضي أقرب الى الكوابيس من الارتجاعات المؤلمة التي حصلت معها. 

كانت تدرك أن هناك المزيد والمزيد من الألم الذي يتربّص على الطريق. شعرت نحو ذكريات الماضي بطريقة واحدة هي أنّها تذكير بمدى الغرابة التي أصبحت عليها طبيعتها الشخصية. أحلام الطفولة، من دمشق في الوقت الذي تتساقط فيه الثلوج، شعرت بالقسوة. 

في تقدير إسراء، بالتأكيد سيعود الألم. 

تلك الأيام، من البهجة والفرح، من “ثم”، لن تعود بسهولة.

حتى بالنسبة لتلك الليالي التي تمر بلا ارتجاعات مؤلمة، كانت تستيقظ إسراء مع شعور ثقيل على صدرها. شيء ما يجلس هناك على صدرها غير راغب في التحرك. تساءلت إسراء إن لم يعد هناك مكان خالٍ داخل جسدها لم يسكنه الألم. ربما الآن يحتل مساحة خارجها، إنّه هذا الثقل يجلس بثبات على صدرها كلّما استلقت. 

استغرقت إسراء تسعة أشهر وهي تبكي في المخيم. تسعة أشهر من الخدر مثل أخيها تمامًا . تسعة أشهر من رغبتها في اقتحام السد الذي في داخلها، لكنّها غير قادرة على شقّه .

في اليوم الذي شقّتْ فيه الدموع طريقها إلى السطح، لم تتوقف. 

كان ذلك في وقت مبكر من بعد الظهر لأحد الأيام.

وقد ذهبت أمّها وأبوها لزيارة بعض الأقارب البعيدين على الجانب الآخر من المخيم. كانت رحلة طويلة للعثور على آخرين من دمشق في المخيم. 

أخذوا الصغيرة هدى معهم، حيث كان هؤلاء الأقارب لديهم فتاة صغيرة من عمر هدى. 

لم يأت أحمد بعد من عمله في المخبز. 

سئمت إسراء وشعرت بالملل، لذا بدأت  بالتنظيف وهي تحدث نفسها: 

[“إذا كنت سأصبح بائسة لا ريب، فيجب على الأقل أن أكون مفيدة عندما أكون بائسة”]. 

وأعربت عن أملها في أن تقدّم لأمّها- من خلال هذا التنظيف- تغيّرًا مرحّبًا به في ظل هذا الروتين اليومي المعتاد.

لم تكن لدى إسراء أيضًا الرغبة في مغادرة المنزل. أرادت هذه المرّة أن تبقى بمفردها، إذ إنّها لم تستطع بعد أن تتقبل تلك الصداقة المخادعة التي ستكون مطلوبة منها إذا خرجت من المنزل. 

وهكذا، كنست إسراء البيت، وكنست مرة ثانية. لقد كنست حتى ذلك الغبار الذي يمكن أن يدخل من نافذة الكرفان.

ثمّ غسلت غسيل أحمد كلّه من الملابس، مندهشة من كمية الدقيق التي يمكن أن تعشعش في قميص بسيط، دون أن يلاحظها أحد. 

[هذا هو السبب في كون قمصانه بيضاء دومًا]، لاحظت بنفسها. 

كان المخبز يخرّب ملابس أحمد، لكن قمصانه كانت قابلة للاستبدال، وبينما كانت تضع قمصان أحمد المطوية بجوار فراشه المرتب، لاحظت ثقوبًا صغيرة مهترئة في جانب حذائه الرياضي.

فكّرت في أنّه غير قابل للاستبدال وأصبح غير نافع. إنّها الأحذية التي كان يرتديها في تلك الليلة على الحدود. أحد الأزواج القليلة التي أحضرها من المنزل. شعرت بأنّه يجب أن يكون قلقًا ومهتمًّا بشكل أكبر،  لكنّها لم تجرؤ على طرح السؤال.

انتقلت من غرفة النوم إلى المطبخ.  نظّفتْ، ومسحتْ . حتى قماشة الصحون لم تسلم من الغسل، فركت بها علب التوابل. لقد نظفت المطبخ تمامًا كما كانت تفعل في السابق.

بعد تنظيف كلّ شيء تمامًا، حان وقت تنظيف الفرن. لاحظت إسراء وجود وعاء كبير على الفرن. كان الغاز مغلقًا. لكن الوعاء الذي على الغاز لا يزال دافئًا.

لسبب من الأسباب، اقتربت إسراء من الوعاء وشعور من الخوف يتملّكها. كانت تشكّ في ما كان داخلها، ومع ذلك لم تكن لديها أيّ فكرة عن السبب الذي يجعلها متوترة حيال ذلك.

شعرت بالتوتر في المكان الذي جعلها تشعر دومًا بالأمان، في كنف والدتها الآمن. 

اقتربت إسراء بيد واحدة من الغطاء،  وبشكل بطيء شبكت إصبعيها حول الغطاء ورفعته قليلًا. 

نظرت إلى الأمام، ولمحت في القدر قطعًا صغيرة من الثوم تكاد تغلب على الوعاء. 

عرفت أمّها ذلك .. عرفت أمّها أنّ ابنتها بحاجة هذه المرة إلى أن تكون وحدها، وأنّها بحاجة أيضًا إلى طبق “الباميا”. عرفت أمّها أنّها بحاجة ماسّة إلى أن تكون في المنزل وتستعيد نفسها في المنزل. 

أسقطت إسراء الغطاء الذي أصدر بدوره قرقعة عالية وهو يسقط على الأرض.

في أثناء ذلك انزلقت إسراء مسندة ظهرها إلى الحائط المعدني، والممسحة في يدها، وبدأت بالتنهد. 

تمامًا مثلما حدث في ذلك اليوم في غرفة نومها عندما لطخت وجهها بالكحل، وضعت إسراء يديها على فمها، في محاولة لكتم صوتها، كما لو أنّ الأصوات التي كانت تصدرها، كما لو أن نحيبها، غير مناسب. 

بدأت تبكي بحرقة، وهي تحرّك يدها إلى صدرها، وتضغط على قبضتها كأنّها تضغط على قلبها. 

كانت تبكي بصوت عالٍ وهي مطروحة على الأرض. شكّلت دموعها تيارات صغيرة يمكن أن تتدفق عبر الأرض. 

عاد أحمد إلى المنزل دون سابق إنذار، من خارج المنزل، سمع أحمد نحيب إسراء يتفجر من المطبخ. مازال يرتدي ثياب العمل، هرع الى المطبخ وعندما رأى أخته انخفض منحنيًا على ركبتيه، ممسكًا إياها، وواضعًا رأسها في حضنه.

لم يقل أحمد شيئًا.. لم يكن بحاجة إلى قول شيء أو لم يرد قول شيء، إنّه يفهم كل شيء يجري دون أن يسأل.

شعر بالضغط في حنجرته. شعر بأن عينيه تفهمان هذا جيدًا . هذا هو المكان حيث يتوقف عادةً. هذا هو المكان حيث  أُغلق الباب بوجهه. 

منذ ما يقرب من عام، لم يستطع شيء أن يوصل دموع أحمد إلى السطح. لم تستطع تلك الأحداث كلّها أن تجعل دموعه تطفو على بحره العميق، كانت آخر دمعة قطرت على خده هي دمعة خجولة ذرفتها عيناه ليلة قَتْل عمه مازن.

بعد عام من ذلك، والآن في المطبخ، يشعر أحمد بخطّ صغير يسري بوضوح أسفل عينيه عبر الطحين الذي يملأ وجهه.

مهما كان الصمت الذي بُني بين إسراء وأحمد في العام الماضي، لقد تبدّد في لحظة واحدة. 

بينما كانت أخته تتنهّد ألمًا، بدأ أحمد أيضًا بالبكاء. بكى من أجل إسراء. بكى من أجل ألمها وبكى من أجله هو، وبكى من أجل مازن ومن أجل البيت بأسره. 

إنّها لحظة البكاء التي لا تتكرّر كثيرًا بالنسبة لأحمد.

كان أحمد يبكي على كلّ الأشياء التي لم يعد يراها أو يستطع فعلها مرة أخرى.

بقي أحمد راكعًا، ويَضُمُّ أخته لوقت أطول بينما كانت تمسك بيده بإحكام وتجهش بالبكاء، وهو يبكي معها. 

تلك اللحظة التي تجد فيها من يبكي معك أقلّ وجعًا من تلك التي تقاسيها وحدك.

بعد ما يقرب من عام من عدم التحدث عن أيّ شيء حدث لحياتهم، عائلتهم، وعلاقتهم، بكى أحمد وإسراء معًا لكل ما خسروه. 

في نهاية المطاف، جلس كلاهما مستقيم الظهر وهما يستندان إلى الحائط. 

بعد دقائق، وربّما ساعات قد مرت.. كانت البامية قد بدأت تبرد.

نهض أحمد واقترب من الفرن  وسكب في وعاءين بعضًا من الباميا وسلّم واحدًا لأخته.

وصلت إسراء إلى ملعقتين فحسب .

مع انتقالهم من ذرف الدموع إلى تناول الباميا معًا، شعرت إسراء بشيء ما تغير في صدرها. شيء ما كان عالقًا وانزاح . لم تشعر بأنّها أفضل بالضرورة، لكنّها مع ذلك شعرت بأنّ شيئًا قد تحول. عندما أنهت طبقها، أراحت رأسها على كتف أحمد، ولمدّة وجيزة، حتى لو أنّها لم تكن طويلة، شعرت إسراء لأول مرة منذ ما يقرب من عامين بأنّها سوف تنجو من هذه المعاناة، ” حتى لو كانت علاقتها مع شقيقها ” ربما لا تزال بخير.