القصة – لدى غياب البصيص

المرآة الموجودة في الخيمة كانت متصدّعة. الصدع يتنامى بصورة ملحوظة في الوسط، ونصفا المرآة تباعدا عن بعضهما بمقدار سنتيمتر، ما يجعل الوجه ملتويًا وغير متوازن عند النظر إليها. 

[مناسب جدًّا.] سيفكر أحمد في نفسه ساخرًا كلّما نظر إليها. مع الأيام الطويلة في المخيم أصبح أحمد ناقمًا على مظهره الخاص، حيث ازدادت الشهور سخونة وأصبح جسده متعبًا أكثر فأكثر. 

احتفظ أحمد بلحيته خفيفة وقصيرة للعمل. بعد ثلاثة أيام في المخبز صار بإمكان أحمد أن يقول إنّ الزبائن لم يعجبهم خبّازٌ ملتحٍ، لذلك كلّ بضعة أيام كان يقصّر لحيته، مع التأكد من الحفاظ على خطوطها. 

كانت لحيته واحدة من الأشياء القليلة في حياته، التي تمكَّن أحمد من السيطرة عليها، لذا فقد أخذت منه عناية كبيرة. 

كان يُقلِّم لحيته مع الفجر قبل سيره إلى العمل، بينما كان جميع من في الخيمة لا يزال نائمًا. 

لمدّة سبعة أشهر كان أحمد يستيقظ قبل الفجر. كان ينام لمدّة ساعتين أو ثلاث ساعات كلّ ليلة. فضّل النوم عند العودة من العمل إلى البيت لساعات طيلة اليوم. بالفعل كان جدول نومه الجديد منطقيًّا بناءً على وظيفته، وفي الحقيقة لم يكن لدى أحمد اعتراض كبير على حياته الليليّة. كان ضوء النهار في المخيم مشرقًا جدًّا وساطعًا.

[كثيرٌ من الضوء]. 

في الظلام يمكن لأحمد تحمّل كلّ شيء أكثر قليلًا. 

[إنّ الظلام يخفي هذا القرف والبؤس عن الآخرين على نحو أفضل]. هذا ما اعتقده أحمد. 

 سوف يصدمه بزوغ أفكاره وانبثاقها في الظلام في أحيان كثيرة. 

[مكان قذر، وأشخاص أقذر.]

 

كان أحمد يعرب عن أسفه بانتظام كون أفكاره الخاصّة شديدة لهذه الدرجة. في لحظات الأسف هذه كان ينحني إلى الذات السابقة لو للحظة واحدة فقط، ويسأل الله المغفرة والرحمة. 

[يا رب، اغفر لي. أنت تعلم أنّ هذا ليس أنا. إنه وقت سيّئ، لكن ليس أنا.]

[أنا أعلم أنّ هذا ليس أنا.] 

لطالما استيقظ غاضبًا، ولم يستيقظ -في الغالب- على صوت شيء. كان أحمد يستيقظ –عادةً- قبل أن تغادر الطيور أعشاشها، تلك الطيور القليلة التي تحملت جفوة الصحراء وبأسها.

في كل ثالث يوم من الأسبوع كان يجب أن يقصّر لحيته ويهذّبها بعد الاستيقاظ، وفي كل ثالث يوم كان يتأخر بضع دقائق عن العمل، فيضطر إلى الذهاب راكضًا كي يتدارك الأمر، بعد أن يأخذ تلك اللحظات القليلة الإضافيّة أمام مرآته المتصدّعة. 

لمدة سبعة أشهر عاش أحمد ما ظهر كأنه يوم واحد كان يتكرر على طول هذه الأشهر السبعة. تشابهت الأيام بقساوة على قلبه ، قساوة على روحه أكثر من قدرته على إزالتها. 

كان يعلم أنّ صمته يجعل من أخته غير مرتاحة، ويعلم أنّه من غير السار أن يكون هكذا حولها، لكنّ أحمد كان يشعر بأنّه لا يملك خيارًا في هذا الأمر، فمنذ وفاة عمه مازن كان هناك بعض العوائق التي حالت دون ذلك، بعض العوائق الموجودة بين قلبه وفمه لدرجة أنّه لم يكن لديه الطاقة أو قوة الإرادة لاستكشافها، ناهيك عن تحليلها ومعالجتها. 

علم أحمد أنّه مصاب بنوع من الاكتئاب، لكنّه لم يكن يملك مخرجًا. كان لايزال معيلًا لعائلته. لايزال مفيدًا لمن حوله. كان من الأسهل على أحمد أن يلقي اللوم على صمته وساعات نومه في جدول أعماله بدلًا من محاولة قول الحقيقة أو اكتشافها، على الأقل المدى الكامل للحقيقة الذي كان لا يزال لغزًا يصعب حلّهُ، حتى عنده. كان لدى أحمد فكرة بسيطة عمّا هو الخطأ في حياته، بخلاف شعوره بالسوء، وبالغضب، وبأنّه غير قادر على قول أيّ شيء مفيد، أو نافع، أو حتى ذي معنىً لأيّ شخص حوله. 

في صباح أحد الأيام بداية الشهر الثامن لأحمد في المخيم تغير شيء ما. 

الساعة “4:58” حينما كان أحمد مستلقيًا ينظر بعين واحدة شبه مفتوحة، ويمرّر نظراته إلى الإشعارات التي لا حصر لها ولا معنى في هاتفه:

موت…

قنبلة…

قوارب غارقة حول العالم…

واقع في الحب…

مكسور الفؤاد…

في أثناء مدّة الحرب تمكن الحدث المبتذل والعادي من العيش مع ذلك الحدث المُفجع والمأساوي. تمكنّا من السير معًا بصورة غريبة جدًّا ومؤلمة. لم يكن الأمر أكثر وضوحًا من الـفيسبوك. كان أحمد مستاءً من كلّ ذلك: الخير، والشرّ، وحتى الفرح. كانت كلّها عنده بالدرجة نفسها، إضاعة للكلمات؛ أن ترى الأحداث الطبيعيّة تسير جنبًا إلى جنب مع الأحداث السافلة دون أيّ تساؤل أو متابعة. هذا ما أغضب أحمد كثيرًا. 

[“ما الذي حلّ بكم؟”] فكّر أحمد وهو يفرك عينيه. أحمد لم يكن متأكّدًا -حقًّا- من الذي وجّه هذا الفكر المستغرب من قبله. 

[“ماذا أصابكم بحق الجحيم؟”]

سار أحمد إلى المرآة مثقلًا، وجثم على الأرض.

[أيها القبيح البشع.] اعتقد أحمد بذلك، وأخذ يتتبّع بأصابعه على طول الندبة المحفورة في رأسه، حيث قبل حوالي عام من الآن انفتح الباب على مصراعيه، وشقّ رأسه بطريقة لا تُنسى، ولأول مرّة في حياته قد حلق أحمد شعره بطريقة أقصر من المعتاد، لذلك كانت الندبة واضحة وملفتة بصورة تقلق أحمد. كانت لاتزال طريّة، ولاتزال حساسة من أشعة الشمس الحارقة في المخيم.

بينما كان جاثيًا أمام المرآة أمسك أحمد بشفرة الحلاقة الموضوعة في فنجان بجانب فُرَش الأسنان التي لا تعد ولا تحصى. رفع شفرة الحلاقة إلى وجهه وهو يحدق بخطوط لحيته، وبفكرة مجنونة وخاطفة اعترضت عقله المشوش فكر أحمد في قطعِ عروقه  قليلًا، فقط ليتذكر شعور الدم الذي عايشه في تلك الليلة عندما رأى عمه ينزف.

من رحمة الله أنّه تجاهل الفكرة على الفور. كان يعرف أنّه من الأفضل أن لا يترك عقله يتجول هناك في ذلك القفص المرعب.

بينما هو يحدق بوجهه انبثقت عن نفسه أكثر العبارات عشوائيّة ونسيانًا. 

[“الجمال هو الخلود يحدّق بنفسه في المرآة.”] استوقفه ذلك مؤقتًا. 

[ماذا؟ جبران خليل جبران.] 

لم يقرأ أحمد لجبران منذ سنوات طويلة. كانت آخر مرة قرأ فيها تلك الجملة عندما نسخها في مذكرة تخص بتول في هاتفه قبل ذلك بسنوات. كان قد كتبها بأحرف كبيرة في ملاحظة أخيرة قدمها لها، ذلك قبل أن ترفضه نهائيًّا.

[الجمال … الخلود.]

[جمال؟]

[جحيم. الجحيم الأفظع على الإطلاق]. 

رمى أحمد المرآة بعيدًا عنه ليحوّلها إلى قطع زجاجيّة متناثرة، ويكشف بذلك عن تشوّه جديد في وجهه. على الفور شعر أحمد بالاندفاع الغاضب الذي يسري من مؤخرة رأسه إلى قبضات يديه. إنّه مقيد تمامًا. نهض بشدة والغضب يعتريه. فتح الغطاء الأمامي للخيمة وهو يشتم الظلام بيديه وقلبه. كان الجو باردًا. لم تكن هناك طيور بعدُ.

[الجمال؟] ضحك على نفسه، واندفع غاضبًا دون ملابس ملائمة لأواخر شهر أكتوبر. 

كان يتنفس بتثاقل لعدة مرات. هرع عائدًا إلى الخيمة، وأمسك ما تبقى من المرآة بقوة، وخرج من جديد. 

كان يمشي بسرعة وغضب كأنّه يبحث عن نزال ما، مرآته في يده، وهو يمشي نحو الحمّامات العامة. يكاد أنفه يشتعل من شدة غضبه. عندما وصل إلى جدار الحمّام أمسك المرآة بكلتا يديه، ورفعها عاليًا فوق رأسه كأنّها حمل سنوات من الغضب، وقذفها بكلّ قوّته على الجدار الخرساني الذي يواجهه.

“فكر أحمد: [الجمال مات. لقد مات وانتهى الأمر. لم يعد هناك جمال.] أخذ أحمد يبصق على المرآة، ويسحق قطعها الصغيرة وشظاياها المتناثرة على الأرض.

تسارعت أنفاسه أعمق وأعمق.(تمددت مناخيره أكثر من حدودها). كانت عيناه تتسعان بينما كان ينظر إلى الدم النازف من يده اليمنى. قطرات دمه القاتم تتساقط على قطع الزجاج المحطّمة عند قدميه. كانت قد لطّخت الجدار الخرساني للحمّام. 

سرعان ما تحول غضب أحمد العارم إلى خجل. رفع يده إلى مقربة من وجهه، وجلس يجمع قطع الزجاج برفق بيده اليسرى.

[ما الذي حلّ بكم؟] تباطأت أنفاس أحمد المتسارعة. لقد كان يرتجف. الطاقة التي استخدمها لتدمير المرآة، صورة نفسه، التي لايزال يتعقبّها عبر القطع المتناثرة هنا وهناك.

 وحيدًا يشعر بالبرد. إنه يهتز الآن مثل طفل صغير.

راح أحمد يتنفس بعمق، ويأخذ زفيرًا طويلًا. لقد صدم نفسه بحالة جديدة، شعور جديد لم يشعر به منذ شهور عديدة.

في تلك اللحظة ودّ أحمد لو أنّه يستطيع الركض إلى والده مثل الصغار، لو أنّه يستطيع أن يحظى بتلك اللحظة التي يبكي ويعبّر فيها عن نفسه بلا تردّد أو خجل. إنّ الطفل الذي في صدورنا يحتاج إلى من يحتضنه. يحتاج إلى من يربت على كتفه برفق ويقول له: أنا معك. أحمد احتاج إلى مجرّد الجلوس مع والده. كان أحوج ما يكون لشخص ما يبثّ إليه شكواه. كان أحوج ما يكون إلى شخص يجعله يشعر بأنه ليس بمفرده.

ما أضيق هذه الدنيا عندما تتوقف أسبابها على مجرد حضن!

تأثّر أحمد تأثرًا شديدًا، وأصابه شيء من الذوبان، فجلس متراخيًا على القذارات. مسح الدماء عن يده بقميصه، وأرجع شعره ضاغطًا بكلتا يديه على رأسه، شعره الذي لم يعجز عن تسريحه اليوم.

[ماذا أخبره؟ ماذا سأخبر أبي؟ هل أقول له أنا حزين؟] تساءل أحمد بأسى. إنّه قلق من أن يبدو غبيًّا أمام والده، من أن يبدو طفوليًّا. يخشى من أنّ أباه سيصاب بخيبة أمل في طبعه، في عدم قدرته على تهدئة البحار المستعرة في نفسه، إذا ما قال له.

[ربما يجب علي المغادرة.]، [هذا غير نافع.] عقد يده إلى السماء على أمل إعادة الدم ووقف النزيف. 

[إلى أين؟ إلى أين أذهب؟] 

راح طائر يزقزق على مسمع أحمد. ذُهل أحمد من ذلك وشعر بالإحراج . أُحرج لأنّ طائرًا قد رآه في تلك الحالة. 

كان العالم قد بدأ يستيقظ. جمع أحمد شظايا المرآة في قميصه الداخلي محاولًا بذلك أن يواري تلك الأدلة التي كانت قريبة جدًّا من خيمتهم. ألقى القميص والزجاج في كومة من القمامة. 

توقف فجأة وهو يتطلع إلى السماء الشرقيّة متسائلًا عمّا إذا كان قد فوّت الصلاة. أحمد كان محتاجًا للصلاة.

كان بحاجة أيضًا إلى سيجارة، لكنّه لم يكن متأكدًا أيّهما يحتاج أكثر.

حدق بعينين شبه مغمضتين نحو الأفق باحثًا عن علامات الضوء. 

[لا يوجد ضوء] يعتقد أحمد أنّه لا يوجد أيّ ضوء على الإطلاق، أو أنّه لا يراه في الأفق.