القصة – مجموعة الأدلّة

من الصعب فهمُ الحرب حتى تعيشها، ومن المستحيل وصف التنافر المنهك للحياة العادية التي يقتطعها الموت -باستمرار- من تلك الهمسات الصغيرة  والصدوع التي تبدو كأنّها لطيفة، التي تكشف عن نفسها بطريقة مرعبة لتكون -في ثوان- لاحقة قاتلة للناس ومدمرة للمنازل.

لم يقل أحد لإسراء ما سيكون عليه الأمر لاحقًا. لماذا عليهم إخبارها بذلك؟ لقد كان إسراء وأحمد وأفراد أسرتهما -جميعًا- متفائلين في معظم “عام 2011 ” عندما كان العنف طفيفًا، وحتى بداية “عام 2012 ” عندما بدا للجميع أن العنف يقتصر على مناطق محدّدة. كلّ شهر كان هناك سببٌ جديد للقلق، وكلّ شهر كان هناك بحث عن عذر جديد للهدوء.

في “سبتمبر 2012 ” أملت إسراء أن يكون ذلك الشهر مجرّدَ “شهر متوتّر” آخر، وليس بداية لطوفان. لقد اعتادت سوريا الجميلة على هذه اللحظات المتأزّمة من “التصعيد” التي تبعتها ضرورةُ “إزالة التصعيد”. اعتاد الجميع على الاحتجاجات والغضب، ثم عادوا إلى طبيعتهم.

بحلول نهاية سبتمبر كان من الواضح أنّ هذا الذي حدث كان مختلفًا، وأنّ هذا لن ينتهي بالطريقة نفسها التي انتهت بها سلسلة أخرى من الاحتجاجات. لم تكن إسراء تعرف -فعليًّا- مدى اختلافها على الرغم من أنّها -كالعادة- كانت قد أعدت نفسها للأسوأ.

كانت صديقتاها -مريم ونادين- قد غادرتا إلى لبنان مع عائلاتهما. كذبت الفتاتان على إسراء بقولهما لها إنهما ستعودان قريبًا. عرفت إسراء مذاق الوداع وحرقته من رحيل بسيط قد حدث، وتساءل جزء منها عمّا إذا كانوا قد اتخذوا القرار الصائب، في حين شعر جزء متمرّد منها بأنّهم يشعرون بالاستسلام. 

بينما عرفت إسراء -في نفسها- أنها فتاة قويّة صارت تستجوب قوّتها بهدوء مع زيادة عدد الولادات والوفَيَات، وتتساءل عن مقدار ما يفترض أن تتحمّله وتصبر عليه، وعن مدى القلق الذي يمكن أن يواجهه قلبها -حقيقةً- قبل التوقف أو الانفجار. 

بحلول خريف ذلك العام شعرت إسراء بتغيرات تسري في نفسها؛ في أضلاعها، وفي قلبها، وفي أفكارها.

في معظم الصباحات كانت تستيقظ مع ثقل في رئتيها، وضغط مرير على قلبها وبطنها، وذلك عندما كانت تجلس -على نحو قاسٍ- في مكانها، وتمضي كثيرًا من الوقت بمفردها قبل الإفطار. في تلك اللحظات كانت أفكارها سريعة سرعة الضوء، حيث كانت أفكارها تتراكض من ذكرى إلى ذكرى، ومن مشهد إلى مشهد، ومن وجه إلى وجه. في تلك اللحظات كان قلب إسراء الصغير يحاول أن يجذب الستائر السميكة الموجودة في المستقبل ليرى ويستشف ما سيأتي، ويُعدَّ نفسه من أجله. بالطبع كان قلب إسراء قد أعدّها -دائمًا- لأسوأ ما يمكن أن يحدث منذ أن كانت طفلة صغيرة.

كانت توقعات قلبها وتخميناته أصعب من واقعها في معظم حياتها. كان ذلك -على الأقل- حتى شهر كانون الأول (ديسمبر). حتى اليوم عندما استوعب واقعها تلك التوقعات بدأت جذورها تتصدع.

قبل أسابيع قليلة من ذلك اليوم كانت إسراء قد أدركت بالفعل أنّ الحزن والظلام اللذَين شعرت بهما قد أصبحا زميلَيها في الغرفة. لم يذهبا بعيدًا على الإطلاق. لقد تحدثا معها بمجرد أن استيقظت، واستجوباها: “هل يمكنك التعامل مع هذا؟”

في تلك الحالات كانت إسراء تنظر -مباشرة- إلى نفسها في المرآة، ولا تجد إجابة واضحة. بالطبع استطاعت أن تتعامل مع ذلك كله؛ “مع كلّ مأساة جديدة جاءت”، ولكنّها -في كلّ صباح- كانت تبدأ يومها به. كانت تبدأه بشيء صغير من الشك الذاتي. كان جزءٌ من طقوسها فيه بعض الشك، وجزءٌ آخر يأمل أن يختفي كلّ ذلك.

عندما كبرت إسراء بدأت تسمع عن الحروب. تلك الحروب التي كانت بعيدة عنها وعن محيطها. تلك الحروب التي حدثت في البلدان المجاورة، لكنّها لم تكن في الوطن. كانت حروب الوطن ليست سوى ذكريات بعيدة مغمورة تعيش في قصص كبار السن، التي كان يقصها عليها والدها وجدتها وعمّاتها. لقد كانت البنادق والجيوش والدبابات شائعة في سوريا في طفولتها، لكنّ القنابل، والصواريخ، والموت، والدماء المتناثرة، والمواجع المتكاثرة لم تكن كذلك، بل كانت مجرد قصص، مجرد قصص كانت تسمعها. 

في غضون أشهر قليلة ظهرت هذه القصص في الحياة، ونمت وتعاظمت، وكبرت معها مخاوفها. أصبحت الاحتجاجات بالأسلحة النارية، وأصبحت الاشتباكات مع الشرطة حمّامات دم تفيض بها البلاد، وجاء الموت لأولئك المقربين. 

كان كلّ يوم يجلب -مع شروق صباحه- أخبارًا أكثر إيلامًا وخوفًا أكثر وقعًا. كان كلّ يوم يجلب معه موتًا أقرب إلى قلبها وإلى أحبّائها. أصبحت الحرب موجة لم تستطع الهروب منها أو تفاديها؛ “تسونامي”. من يملك مثل قلبها ليس لديه أيّ طريقة لفهم ذلك. 

في الليلة التي سبقت تلك المكالمة الهاتفية تركت إسراء نافذتها مفتوحة، وأرسلت أمطارُ المساء رطوبةً تدفقت إلى داخل المنزل، وقد استيقظوا على بقع عفن قديمة أبصرتها إسراء وأمها بلا عناء. عندما استيقظت كانت الغرفة باردة ورائحة العفن قد فاحت. كرهت تلك الرائحة بشكل فظيع. كانت قد أمطرت. بدت أغنية الطيور واضحة ونقيّة؛ ذلك النوع الذي يغنونه -فقط- بعد الاختباء من المطر. 

عند تلك المسافة سمعت إسراء صافرات الإنذار الشنيعة التي تنذر بتفجيرات وشيكة. 

[صباحُ خيرٍ آخر] فكرت بسخرية. بدلت ثيابها وذهبت إلى الطابق السفليّ لرؤية ما كانت تفعله أختها وأمها.

كانت تفتح الثلاجة وتبحث عن أي شيء جديد يصرفها عن الروتين اليوميّ. 

رن الهاتف. 

تناولت أمها الهاتف. 

“إنّها نور” شقيقة مروة، لكنّ نور لا تتصل بإسراء على الإطلاق. تجاهلت أم إسراء الحيرة في ذلك وسلّمت ابنتها الهاتف. 

فكّرت إسراء: “لماذا تتصل؟ لماذا لم تتصل مروة؟” 

على الطرف الآخر من الخط  كانت نور تبكي. هنا جرت رعشة برد عدوانيّة أسفل العمود الفقري لإسراء.

بعد لحظات فقط، أسقطت إسراء الهاتف. 

أصابها دوار. بدأت إسراء تشعر بالسقوط. أمسكت أمها بذراعيها وهي تسقط على وجهها.

تتذكر إسراء القليل من ذلك اليوم الذي ماتت فيه صديقتها. تخبرها والدتها بأنّها كانت تبكي بحزن. قيل لها إنّ دموعها وصرخاتها كانت تُسمَع في الشارع. إسراء ليس لديها ذاكرة تحدثّها عن تلك الدموع. 

تتذكر -جيّدًا- المكالمة الهاتفيّة من نور، وغير ذلك، وما تبقى من ذكريات أخرى في تلك الساعة ليس أكثر من أحاسيس كانت تسري في جسدها: صوت رنين الهاتف لايزال في أذنيها، والصمت الذي ضرب -عميقًا- في بطنها، ورائحة الدخان المتفلّتة من النافذة جرّاء الانفجارات التي تبعت صافرات الإنذار التي استيقظت عليها. كان الدخان هو الذي تسبب في هجمة لا يمكن تخيلها -سابقًا ومستقبلًا- دون حجر الزاوية في طفولتها العذبة  “مروة”. 

تتذكر شعور شخص يسكب الإسمنت على صدرها وبطنها ليصنع بذلك المقعد الثقيل الهائل الذي يأخذه الموت بطريقة مجهِدة جدًّا ومدمِّرة . تتذكر هذا التنافر -الذي لا يطاق- حين تعيد قراءة الذكريات الحيّة مع رؤيتك لجثث الموتى. انها تسترجع تلك الذكريات يوميًّا.

لقد نشأت إسراء ومروة معًا. خاضت كلتاهما المخاوف ذاتها عندما كانتا طفلتين، وكانت تمسك إحداهما بيد الأخرى مع كلّ تطور جديد يمرّ عليهما. لقد صرخن وأكلن وضحكن معًا كأختين، ولم تفكر إحداهما في فقدان الأخرى. لقد كانت هذه الخسارة هي بداية رحلة إسراء؛ رحلة تنطلقها من الألم، وبدلًا من أن تقلق بشأنها ركضت إسراء بعيدًا بقوة -أبعد من أيّ تخيل- نحو أراضٍ باردة بعيدة حرة، هناك إلى حيث المزيد من الشك والريبة. 

لم يكن قلبها قد أعدَّها لمثل هذا الشعور؛ شعور فيه وزن الطوب الذي يجلس أسفل قلبها كلّما فكرت وتذكرت صديقتها الراحلة، أو سمعت اسمها. 

لم يكن قلبها قد أعدَّها لتهدئة أعصابها التي انتهت -في كلّ مرّة- في عينيها اللامعتين وهما تذرفان الدموع التي لا تريد أن تُظهرها لنفسها. 

الصباحات بعد وفاة مروة رماديّة داكنة. 

كلُّ صباح يبدأ مع الأخبار، أخبار المزيد من الانفجارات، والمزيد من الاشتباكات، المزيد والمزيد من الموت. استوعبت إسراء كثيرًا من الأخبار عندما كانت في المطبخ حينما ساعدت والدتها على إعداد وجبة الإفطار. مرة واحدة بكل امتنان لم يعد إعداد وجبة الإفطار ذاته الذي كان من قبل، خاصة بعد رحيل مروة. في المطبخ كانت والدتها هادئة تستمع -باهتمام- للأخبار. كانت الخضراوات أكثر تكلفة من ذي قبل، لذا كان على إسراء وأمها أن تكتشفا طرقًا جديدة لتقطيع الخيار وفرمه. كان الخيار والبندورة متاحين في معظم الأوقات، لكن من الصعب العثور على الخضروات الأخرى التي كان ثمنها يرتفع كلّ أسبوع. هذه التهديدات التي كانت تستهدف أكثر الأشياء قربًا من قلب إسراء؛ وهي إعداد الفطور مع أمها. 

لقد أصبحت هذه الطقوس الصباحيّة -مع أمها- أشبه بعمل روتيني يوميّ، يملأه شعور عميق  بالتوتّر والحزن والقلق. كانت إسراء -في كثير من الأحيان- تنسى ما كانتا تصنعانه، فقد كان عقلها يتجول في مكان آخر، وتركّز انتباهها على الأخبار. في لحظات معيّنة كانت تنظر إلى ما تُقطِّعه غير مدرِكة ـسبب تقطيعها الخضراوات بهذه الطريقة المعيّنة، أو حتى ما ستفعله بها بعد ذلك. عندما حدث ذلك معها لم تقل شيئًا، إنّما –فقط- نظرت إلى أمّها في أثناء فرمها ونشاطها على أمل أن تتذكّر ما كان يفترض أن تفعله بعد ذلك. 

إذا خرجت إسراء من البيت بعد الإفطار يكون يومها مليئًا بنقاط التفتيش. كلّ واحد منها هو نفسه في المظهر، لكنّه مختلف في مطالبه. إسراء لم تعتد على ذلك، كما يقول بعض الناس. كان كلّ يوم أمام الحاجز يعني وقتًا مقلقًا تقضيه في البحث عن بطاقة هويتها في حقيبة ظهرها، بينما كانت ثلاثة بنادق في اتجاهها. في بعض الأحيان كانت تتعرّق، ويُضَخ دمُها بسرعة، بحيث يضيف حجابُها ضغطًا لا يطاق على صداعها المتصاعد. كان هناك ما يكفي من الوقت بين نقاط التفتيش لتهدئة صداعها وطمأنة قلبها، أو لتدفئة يديها الصغيرتين.

في حين كانت إسراء لا تزال قادرة على الاستمتاع بالقهوة مع صديقاتها لمرات قليلة بعد وفاة مروة، وبينما كانت لا تزال تمرّ بلحظات لطيفة من الضحك كان هناك حزن طويل الأمد تحمله على عاتقها في كلّ يوم. 

كلّ يوم كان هناك المزيد من الكراسي الفارغة التي تبحث عن أصحابها في الفصول الدراسيّة، والمزيد من الوداعات دون “وداعًا، وعدد أقل بعد لقاءات المدرسة. 

شعرت إسراء بالتغييرات التي حدثت على مدار العام بأكمله. رأت ذلك وسمعته. لقد شعرت به، وأحسّتْ به في جسدها، وفي عقلها أيضًا. 

في كثير من الأحيان كانت إسراء تمرض، فتلقي اللوم في ذلك على الحساسيّة التي كانت تعيشها على الرغم من انها لم تكن تعرف السبب في عدم شعورها بالرضا. كان هناك –دائمًا- شيء غير طبيعيّ، أو آلام عرضيّة، أو زكام ورشح، أو صداع. 

في بعض الأحيان كانت تشعر بالدوار كما لو كانت على وشك النوم، أو كما لو كانت تدور حول نفسها في دوائر، لكنّها -أيضًا- كانت يقظة إلى حدّ كبير. كان يحدث هذا عدة مرات في الأسبوع. 

صارت تنام بشكل مختلف. كانت متعبة طيلة الوقت، ولم يكن نومها هادئًا. كان يصيبها الأرق دومًا، فتستيقظ في منتصف الليل، غير قادرة على النوم مرة أخرى. 

أصبحت تتنفّس بشكل مختلف. استغرق الأمر أسابيع لتلاحظ إسراء هذا. كانت أنفاسها سطحية إلى حد ما ، كما لو كانت غير قادرة على أخذ نفس كامل من العالم حولها، كما لو كان العالم ضيّقًا لا يستطيع أن يهبها نفَسًا واحدًا. 

في أكثر الأحيان كانت تتنفس مثل شخص يركّز -بكثافة- حتى يحصل على الهواء، مثل شخص كان يمشي لمدّة طويلة جدًّا.

أصبحت تأكل بطريقة مختلفة وأقل من ذي قبل، ومعظم ما كانت تتناوله هو الشاي والقهوة فقط، والخبز إلى حد ما. لم تكن تشعر بالجوع على الرغم من انها لا تزال تتمتع بإعداد الطعام مع والدتها. 

صارت إسراء تفكّر بطريقة مختلفة، فقد ازدادت أفكارها ظلمة ورسميّة، وأصبحت مليئة بالشك والريبة.