القصة – مدخل إلى الضغط

على الرغم من أنّ تجربة أحمد في الجيش لم تدم طويلًا، إلّا أنّها لم تكن سهلة وعادية. بعض جوانب التدريب كانت ثابتة ويمكن التنبّؤ بها. كان الغذاء -دائمًا- نفسه، فقط القليل ممّا يسد الرمق. كلّ يوم كان أحمد يتأذى بطريقة ما وبصورة طفيفة أحيانا، كشط بسيط، أو ألم عضلي، أو صداع، أو صفعة على الوجه، وفي كلّ ليلة كان يذهب إلى الفراش في الوقت نفسه. 

الجوانب الأخرى من التدريب لا يمكن التنبّؤ بها تمامًا. في بعض الليالي كان زملاؤه من المتدربين يُزعجون بعضهم البعض في أثناء النوم، وكان المزاح يخرج عن نطاق السيطرة في بعض الأحيان. في إحدى المرات عندما علقت ساق أحمد بجانب السرير ربط أصدقاؤه كيس نفايات حول قدميه وأضرموا النار فيه. صرخ أحمد من وجعه، فجاءهم العريف المسؤول، وصفع أحمد –بقوة- على وجهه. كانت صفعة مباشرة على ندبة أذنه، فشعر برنين مكثف وقتها، بينما كانت عينه منتفخة حمراء.

في أحيان أخرى كان الفريق بأكمله يستيقظ قبل الفجر، ذلك قبل أن يستيقظ أيّ أحد في العالم لصلاة الفجر، ويضطر مكرهًا أنْ يجري لأميال. كانت هناك أيام أُجبر فيها أحمد على ممارسة الرياضة كلّ صباح، وبعد ساعتين من النوم فقط.

على الرغم من عدم تمكن أحمد من الوصول إلى هاتفه طيلة الوقت، إلّا أنّه -في لحظات الحرية القليلة- كان يخرج هاتفه ويسجل الملاحظات. أراد أن يتذكر ما كان يشعر به  في تلك التجربة بأكملها. أراد مشاركة آلامه مع الآخرين عندما ينتهي من ذلك. أراد أن يكون قادرًا على رواية القصة -كما لو كان يعيشها في لحظتها- لوالده عندما يعود إلى البيت. [كان “أبي” قد مرَّ بنفس الشيء]. بالطبع كان أحمد يعرف أنّ والده سيجد بعض الفكاهة في شكواه وقصصه المتواصلة، فقد كتب أحمد في ذلك الوقت: 

“الجري لا ينتهي. اليوم ركضنا على الحصى حول تدمر. كانت الصخور رخاميّة صغيرة، حيث كلّ واحد منا –تقريبًا- انزلق وسقط أكثر من مرة. غطيت يدي من أثر الكشط، حيث كان الجلد مسلوخًا، والملمس مؤلما جدًّا. اليوم ركضنا حوالي “20 كيلومترًا” دون راحة. تحمّلنا ذلك ببأس. في منتصف الطريق وصلت الحرارة إلى “30 درجة”، وكان ذلك عند شروق الشمس. تحمصّنا مثل قطع الخبز. كانت عيناي دامعة في كثير من الوقت. لم أشعر بشيء؛ كنتُ مخدرًا وضعيفًا. ليس لدي أيّ فكرة عن السبب الذي دفعني للأمام. ربّما كان الخوف من السقوط مرة أخرى، وربّما الخوف من الحصول على صفعة على الوجه إذا ما سقطت أرضًا مرة أخرى، الخوف من صفعة قاسية على ندبتي الدائمة، أو لعلّها حقيقة أنّنا -أنا وخالد- تراهنّا على “50 ليرة” لنرى من سيصمد أكثر. الآن، بعد ساعات من الجري، شعرت بخشونة كبيرة في ساقي، ثقيلة وثابتة مثل خرسانة.” 

امتلأ هاتف أحمد برسائل مثل هذه. في الغالب يشكو فيها، وغالبًا ما تكون لوالده، وبعضها إلى حبه غير المتبادل مع “بتول”، التي توقفت عن التحدث معه قبل بضعة أسابيع من مغادرته للتدريب، لكنّه لم يتوقف عن التحدث معها في نفسه، لأنّ مكأنّها -في قلب أحمد- لا يتزعزع. 

عرف أحمد أنّ بتول لن تقرأ شيئًا من تلك الرسائل أبدًا، لكنّ طاقته كانت تتجدد بمجرد أن يفكّر أنّها يمكن أن تقرأها. هناك احتمالات ما تدفعنا للمخاطرة دومًا، تدفعنا للاستمرار والبقاء على أمل. كلّ ذلك عبر التفكير بابتسامتها وضحكتها والاستهزاء الذي كان قد يتلقاه منها من أجل تلك التجربة التي لن تضطر أبدًا إلى ضمانها أو حتى فهمها. إنّ رؤية الحبيبة عند رجل -مثل أحمد- أكثر إرضاءً وإشباعًا من الطعام، خاصة لرجل يتلاشى الأمل من أمامه مثل السراب. 

كان أحمد يعلم أنّه لن يستسلم في أثناء التدريب، لأنّه لم يكن أيٌّ من هذه التدريبات حقيقيًّا. كان مجردَ شيء ما عليه فعله وإنجازه. لقد كان اختبارًا مصمّما لدفعك إلى النهاية، واقترب أحمد -بفضول أكثر- من أيّ شيء آخر. لم يكن أيٌّ من ذلك حقيقيًّا، لكن بعد ثلاث سنوات من انتهاء تدريبه كان خالد قد عاد إلى المعسكر ذاته، وأُعطي زاهر مسدسًا جديدًا كان محشوًّا بالرصاص هذه المرة، وتلك التعليمات التي لم يتخيلها أيّ منهما قط، حتى في كوابيسهم الأكثر وحشيّة.