القصة – من الداخل إلى الخارج الجزء الاول

(الجزء الأول)

بعد ليلة من حادثة عمه ذهب أحمد للعمل، فقد أخرجوه من المستشفى بعد ليلة واحدة فقط. استمر ألمه وقهره لأيام، لكنّه تجاهلها كلّها بقدر ما يستطيع. كلّ يوم كان جانب رأسه يرتج لساعات. كان يمكن أن يشعر بنغزات وهو يحاول أن يستعيد نفسه. كانت فروة رأسه لينة، بالإضافة إلى تورم وكدمات على جانب كبير من رأسه. 

لقد بذل قصارى جهده لتجاهل أوجاعه، حتى عندما كانت رؤيته غير واضحة تحت الضغط الشديد. 

بعد ثلاثة أيام من الحادث ساعد أحمد والدَه في إصلاح الباب. لقد أعادوا ضبط الباب في مفصلّات جديدة، وكان أحمد يشعر بالغثيان معظم الوقت، ويحدّث نفسه قائلًا: [يجب علينا أن نحرق هذا الباب اللعين]. كان غضبه مصحوبًا بالدوخة. 

كان والد أحمد قد حاول في البداية أن يطلب من جيرانه المساعدة في إعادة تصليح الباب. لم يكن يريد أن يضع ابنه في مواجهة تجربة إصلاح الباب ، الذي كاد أن يودي بحياته، لكنّ أحمد نفسه كان مُصِرًّا على ذلك، وبعد هذه السنين كلّها عرف والد أحمد أنّه من العبث مجادلة ابنه العنيد. سوف يساعده أحمد في إعادة ضبط الباب. كان الباب سيساعد أخواته على الشعور بالأمان في بيتهم، حتى لو كاد يتسبب في قتله.

في الأسبوعين اللاحقَين لوفاة مازن بدأ أحمد بمساعدة والده في الاستفسار عن الطرق الجنوبيّة المؤدّية إلى الأردن وعمليّة عبور الحدود في أيّ عدد من الأماكن الممكنة. لم يكن لديهم حتى جوازات سفر ليسافروا بطريقة نظاميّة، ولا يوجد وقت للحصول عليها. يجب أن يجدوا معبرًًا للهروب منه. 

عمل أحمد ووالده على هذه الخطة في الأمسيات المتأخرة عندما كانت إسراء وهدى وأمّهما نائمين. كان الصمت ثقيلًا للغاية، وكانت المخاطرة كبيرة جدًّا على الفتيات لو علمن الخطة.

عمل أحمد آليًّا وبفاعليّة مع والده في أثناء إجراء مكالمات مع العديد من الأقارب والأصدقاء البعيدين الذين رحلوا إلى الجنوب. بطبيعة الحال لم تبدأ تلك المحادثات المتلهفة في سد فجوة الصمت التي خيّمت ونمت في المنزل بعد مقتل العم مازن. لم يكن لدى أحمد ولا والده أيّ فكرة عمّا يقوله كلّ واحد منهما للآخر. 

أقل نقاش ممكن، وأقل معرفة ممكنة كانت تشعرهم بأمان أكبر. لقد عرف كلا الرجلين أنّه لا توجد فائدة من استحضار أيّ مشاعر بخصوص أيّ شيء يتعلق بالحادثة عندما يكونان مع بعضهما. الكلام حول هذا الحادث من شأنه أن يفتح كثيرًا من المساحات الممكنة لمحادثة لا يريد أيّ منهما أن يتطرق إليها، ولا يملك أيّ واحد منهما حقيقةً القدرة على الخوض فيها. 

من المزعج أنّ الرجلين كانا أكثر قلقًا بشأن خدرهما العاطفي. لقد أمضيا الوقت في العمل على الباب، والعمل على هذه المكالمات الهاتفيّة للّجوء إلى الأردن، بحيث كان يجب أن يقضياه في البحث عن الردود التي هم بحاجة إليها، لكن -بطريقة ما- لم يستطيعا ذلك.

أراد كلّ واحد منهما أن يعيش حزنه، ويبكي ميّته. ببساطة أراد الرجلان أن يعزّي بعضهما بعضًا، لكن أيًّا كان ذلك الشعور الذي سيسمح لهما بذلك، فقد دفناه عميقًا في نفوسهما، ولا يمكن الكشف عنه بسهولة. ما بكى أحمد منذ وفاة عمه، ولم يبكِ من أيّ شيء على الإطلاق إلى الآن. كان أحمد يشعر بقليل جدًّا من أيّ شيء؛ مثل صرخة خفيفة سببها الشعور بالجوع، أو نوبة غثيان نادرة عند رؤية الباب الحديدي الذي حطّم رأسه. 

اندفاع قويّ يحدث من أثر الغضب يجعل الدم يتدفّق -في بعض الأحيان- من القلب إلى قبضات يده، وإلى غرزة جرح رأسه؛ انتفاخ نادرًا ما يحدث من أثر الدموع الذي بدأ في حنجرته وانتهى في مؤخرة عينيه، ويتوقف -دائمًا- قبل أن يعبّر عن نفسه في الخارج . تحدث بعض الصرخات لكن لا نسمعها، مدويّة لكن لا نشعر بها؛ بعض الصرخات تُدفن دون أن نشيّعها، أو أن تحظى بأقل جنازة ممكنة، لكن في معظم الأوقات لم يشعر بشيء على الإطلاق. مثل أخته تمامًا شعر بالترنّح.

عمل في مساعدة والده، أو جلس صامتًا، حتى يحين وقت الأكل أو النوم. فقط وقت الطعام أو وقت النوم سوف يجعله على اتصال مباشر مع بقية أفراد العائلة. لمدّة شهر كامل احتفظ لنفسه بهذا. 

لم يسأل أحمد أحدًا عن شعوره بعد تلك الليلة. ليس في اليوم اللاحق، ليس في الشهر اللاحق، أو حتى بعد أشهر عديدة. كانوا يشعرون بخدر وكبت، لكن لم يكن هناك أحد يريد أن يزعج العملاق الذي ينام –بعمق- في ذاكرته. 

بعد سنوات تملّكت إسراء شجاعة كافية لتسأله عبر الهاتف لماذا لم يتحدثوا مطلقًا عمّا حصل في تلك الليلة؟

ولماذا كان البيت صامتًا لمدّة شهر كامل؟ ولماذا لم تجلس هي وأحمد تحت الشجرة ويتحدثان؟ بعد سنوات لايزال أحمد لا يجيب عن تساؤلاتها. كلّ ما كان يمكن أن يخبرها هو: [“لماذا نتحدث عن ذلك؟ ما حدث حدث”].

لو سأله أحد في الوقت ذاته الذي حصل فيه الحادث، فقد يجيب بطريقة مختلفة. لو أنّ شخصًا ما كان يجلس معه في هذا الفضاء الخدر لمدّة كافية، لعله كان سيشارك، لكنّه يشعر الآن بأنّه لم يَحدث أيّ فرق يجعله يتحسّر على عدم مشاركته. أحمد شاكرٌ أنّه لم يكن هناك أحد دفعه كي يتحدث. ما حدث كان شخصيًّا. ما حدث انتهى باتصال العين بينه وبين عمه في تلك الثواني الفارقة والأخيرة. 

تضمن الندبة في رأس أحمد أنّه لن ينسى تلك الليلة. في الواقع إنّ الألم العرضي والإيقاعي الذي يشعر به تحت سطح الندبة يجعله يرمي تلك الحادثة الماضية أمام وجهه في الأوقات التي يفضّل ألا يتذكرها فيها. حتى اليوم عندما يصيبه الألم يدلّك أحمد يده ذهابًا وإيابًا على الندبة في تحيّة يلقيها على مازن يعترف فيها بالخيار الذي أقدم عليه، عن طيب خاطر أو حتى دون وعي.

إنّ ذكريات أحمد الأكثر نشاطًا وحيويّة في نفسه هي تلك النظرة التي كان قد تبادلها مع عمه مازن عندما كانوا يجرونه إلى الخارج، وذلك الانقياد الذي سرى في جسد مازن، الذي كان ختامه نظرة تصيح بتحيّة الوداع لأحمد. هذا الانقياد واللين في الموقف، لحظة الاستسلام هذه مثل وتد مغروس في قلب أحمد.

إنّ الخدر الذي شعر به أحمد في المدّة التي أعقبت الحادثة مباشرة أفسح المجال -بعد مرور سنوات- للحظات صغيرة، لكنّها مكثفة في الذاكرة، ودائمًا تنهض الأفكار نفسها. 

[لماذا استسلم؟ لماذا كفّ عن المقاومة؟ كان من المفترض -على الأقل- أن أحاول إنقاذه.] بهذا التفكير الموجِع في كلّ مرة يبدأ الغثيان، ويدفعه أحمد إلى الأسفل باستمرار، متجنبًا أيّ شيء يمكن أن يتدفّق إذا ما سمح للقيء بالوصول إلى فمه. 

[هل كان عمي سينقذنا؟] تبدأ عيناه تدمعان بخجل، وصدره ينفجر بالحب والعطف مع ذكرى عمه العزيز.

[ما الذي كان يريد مني أن أفعله؟] يشعر أحمد بقشعريرة تسري في جسده، وبحيرة تراود أفكاره. لا يوجد حتى الآن، وبعد هذه السنوات كلّها إجابة. 

من الصعب على أحمد أن يستحضر الشعور الحسّاس الذي عاشه في تلك اللحظة في غرفة معيشتهم. في الواقع ما يُخشى منه الآن أنّ الوقت قد جرّ الذاكرة في اتجاه الحقد والغضب. لقد تضاعف ندمه بوضوح، كما كان شكّه واضحًا في حقيقة ذكرياته الخاصّة. 

مع ذلك يتذكّر أحمد أنّه سُحِب جانبًا، “حيث سُحِب في اتجاهين مختلفين”، كما قال وداعًا لعمه، ذلك الرجل الذي علّمه كيف يرتقي أعالي الأشجار، كيف يقطف الزيتون في مواسم الحصاد الهادئة. علّمه كيف يصعد إلى الأعالي، لكنّه لم يعلّمه كيف ينزل منها من دون أن يتأذى.

في تلك اللحظة أراد أحمد شيئًا واحد فقط؛ أن يبقى على قيد الحياة. بينما كان أولئك المسلحون يقتحمون المنزل كان أحمد ملتزمًا بحيّزه الضيق، خاضعًا ومضطهدًا، منقادًا تمامًا ومسلّمًا لتلك المساحة الضيقة جدًّا التي وضع فيها. علم في نفسه أنّ الصمت والسكون، وذلك الانقياد سيبقيه حيًّا على الأقل. 

في الوقت نفسه أراد شيءٌ منه أن يضحي من أجل عمه، أراد لو مزّق بأسنانه ذلك الرجل المقنَّع الذي أمسك بخناق عمّه. 

معركة بين الحميّة الشخصيّة التي كانت تتسبب له دومًا بالمتاعب، وبين غريزة البقاء على قيد الحياة.

في تلك الليلة، حين سُحِب عمه أمام عينيه فازت غريزة البقاء في نفس أحمد. لم يقل أحمد شيئًا حيال ذلك. احتضن عمَّه بعينيه البراقتين، واكتفى بحديث العيون كي يعبّر عمّا في نفسه، وأملَ أن تُغفر له خطيئته، أو اختياره الذي لم يكن صحيحًا ولا خاطئًا، أو ربما لم يكن خيارًا على الإطلاق؛ شيء أعمق من هذا. إنّ المسؤول في تلك اللحظة كان أكثر بدائيّة وفطريّةً من الأفكار التي تواجه أحمد. أيًّا كان أو أيًّا كانت القوة التي اتخذت هذا الخيار نحو الاستسلام والانقياد لن يتغير شعور أحمد العميق بالذنب الذي يصاحب نبضات ندبته العميقة.