من الداخل الى الخارج الجزء الثاني

 

[لقد اتُّخذ القرار. العائلة كلّها ستغادر إلى هناك؛ إلى الأردن].

 إسراء فكرت -رغم ذلك- في تلك اللحظات بعد أن أغلق أحمد باب غرفة نومها[ إلى أين بالضبط؟].

 ربّما هو لا يعرف. 

كان أبو أحمد يسأل نفسه السؤال ذاته وهو يغلق باب بيته الأمامي، يغلقه ويكفكف دموعه التي تنهمر على خديه. أن يغلق الإنسان باب بيته شيء نمطي لا قيمة له، لكن أن يغلقه ربّما للمرّة الأخيرة هو شعور غامر بالحزن والأسى. كان يواري دموعه عن زوجته، لكن هيهات هيهات أن يستطيع فعل ذلك. 

كان أبو أحمد قد أخبر ابنه أحمد وابنتيه إسراء وهدى أنّ هذا القرار كان من أجلهم. 

كانوا يغادرون من أجل مستقبل الأطفال. 

[كذاب!] هذا ما فكرت به إسراء. 

وعدها والدها بأنّها ستكون مدّة قصيرة فقط حتى تستقر الأمور. 

[كذب مضاعف]. 

إسراء لم تصدق ذلك. بدا أنّ أحمد يصدّقه نوعًا ما. لم يكن عند إسراء أدنى فكرة عن أنّ أحمد قد ساعده في التخطيط لهذا. في كلتا الحالتين من الواضح أنّ أحمد افترض أنّها ستكون عودة سريعة، حيث إنّ الحقيبة التي حضّرها أحمد كانت حوالي ثلث حجم حقيبة إسراء.

فكّرت بغضب في جديّة والدها: [هل هو جادّ بذلك؟ كيف يخدع نفسه هكذا؟] أحضر أحمد زوجًا ثانيًا من السراويل فقط ، ومجموعة أخرى من الأحذية الرياضيّة الثمينة له، بالإضافة إلى شاحن لهاتفه. إسراء وضعت بعض الكتب والدفاتر معها. كان ذلك تلقائيّا عندها. كان لديهم مفاهيم مختلفة جدًّا فيما يتعلّق بإمدادات الطوارئ.

وصلوا إلى الحدود الأردنيّة في الليلة نفسها التي غادروا فيها المنزل. الطريق من دمشق كان سهلًا نوعًا ما. لم تكن تتوقع ذلك. لم يتوقع أحد ذلك، كما لو أنّ الطريق طُهِّر من أجلهم فقط. استذكرت إسراء إثر ذلك قصة النبي موسى عليه السلام. تذكرت خبر ذلك الفرق العظيم الذي شقّه الله في البحر الأحمر مع فرار العبرانيّين من إرهاب فرعون. بعد بسم الله الرحمن الرحيم [“وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ”] البقرة الآية 50

سرعان ما تلاشت حالة إسراء المعتدلة من الهدوء مع تباطؤ السيارة.

كان المعبر الحدودي الذي حدّثها والدها عنه هو في الواقع طريق تهريب. أصبح ذلك واضحًا عندما توقّفت السيارة على طريق ترابي جانبي صغير بعيدًا عن الأسواق الحرة والشاحنات التي شاهدتها مرّة واحدة على الحدود قبل ذلك بسنوات.

همست من المقعد الخلفي [“بابا، هل أنت جاد؟”] كانت نبضات قلبها تصل إلى حلقها. إسراء تشعر بالخوف. لم تشعر بهذه الطريقة من شهر على الأقل؛ خوف حادّ وملموس. 

عندما نظر إليها والدها من المقعد الأمامي فكرت في نفسها: [متى سينتهي؟ هل سينتهي فعلًا؟]

نظر إليها والدها مرة أخرى نظرة بطيئة -شيئًا ما- فيها اعتراف ضمني من قِبله بالذنب والحب. لم تستطيع إسراء إلا أن ترضخ وتنقاد. كان مجرد ضائع. كان خائفًا فقط. 

أراحت إسراء جبينها على ظهر المقعد الأمامي. وصلت بذلك إلى الأمام واضعةً يدها على كتف والدها لعلّ اللمسات تفعل ما عجزت عنه الكلمات. وضع هو -بدوره- يده على كتفها أيضًا. كان يرتجف قليلًا. 

إسراء فتحت الباب.

افترضت إسراء أنّهم سيعبرون الطريق الرئيس؛ “الطريقة الوحيدة التي ظنّت أنّها ستغادر بها”، الطريقة الوحيدة التي اعتقدت أنّها يمكن أن تعبر الحدود بها، حتى الآن. شعرت -بطريقة ما- بأنّ التهريب أمر أقلّ رتبة من غيره من الطرق، وبأنّه غير جدير بهم، وعدم كون ذلك أمرًا شرعيًّا جعلها تشعر بخطورة أكبر وأكبر. 

 تسارعت نبضات قلبها حين كان والدها يشرح لهم العمليّة. بدا صوته متصدّعًا وضعيفًا. رأت المعاناة في عينيه، ورأت ذلك الجهد الحثيث لإخفاء ذلك عنهم. إذا لم يكن هناك أيّ سبب آخر سوى الوقوف بجانب أبيها ودعمه في قراره، فقد وافقته وتقبلت ذلك منه.

يقول لهدى: [“لا تخافي يا حبيبتي.”] انحنى لها وهو ينظر إلى فتاته الصغيرة بعين الأب الحاني الذي يتمزّق داخله كي يرِقّع مخاوف أولاده وأحزانهم. 

[ “لي أصدقاء فعلوا ذلك بالطريقة نفسها. ابن عمكم فعل ذلك أيضًا. كلّ شيء مرتّب والحمد لله.”]

 

أمسكت إسراء يد هدى للحظة. 

 فكّرت إسراء: [كلّ شيء مرتب].

عندما وقفوا بجانب السيارة في تلك اللحظة أدركت إسراء الجنون المطلق من كلّ هذا؛ من الجامعة إلى طريق التهريب، وكلّ ذلك في ثلاثة أشهر، من الفرح إلى الألم والمعاناة في أقلّ من عام واحد، لكن [ كلّ شيء مرتّب]، هكذا فكرت إسراء. ضحكت في نفسها، بدت مصدومة مستسلمة. 

عادوا إلى السيارة ومشوا مسافة 50 كم. يبدو أنّ الخطّة تتغير -باستمرار- تبعًا لأحداث معيّنة. على تلك المسافة كان الركوب سهلًا، إلّا أنّ مسافة الـكيلومترين المتبقيّة من الحدود ضيّعت كلّ تلك السهولة التي مرت من قبل.

في الوقت الذي وصلوا فيه إلى نقطة مغادرتهم البلاد كان قد حلّ الظلام، وكان الجوّ يحمل معه نسائم باردة تبعث الرعشة في الجسم والفكر، أكثر برودة ممّا كان ينبغي أن يكون عليه في شهر مارس. نبتة شقائق النعمان لم تزهر بعد. 

ظنّت أنّها يجب أن تكون قد أزهرت الآن. كان البرد قارصًا لهم، ولإسراء أيضًا. لقد توتّرت من جديد، وشعرت بأنّ شيئًا ما لم يكن صحيحًا.

خرجوا من السيارة. هناك أصوات بعيدة.

ضوء كشّاف. 

خرجت مجموعة صغيرة من عشرة أشخاص من كوخ صغير أمامهم. 

أمسك أحمد بيدها ليقطع عليها أيّ خوف قبل أن تشعر بالاستغراب. لم تتحدّث هي وأحمد منذ خروجهما من المنزل. ربّما لم تتحدّث معه منذ أسابيع، مع ذلك رحّبت إسراء بقبضة أخيها الدافئة.

أصبح السياج أكثر وضوحًا لإسراء بينما كانوا يسيرون مع مجموعة أكبر عبر حقل من القمح. كان أحمد يسير بجوارها ممسكًا بيدها المتعرّقة والباردة. كان خائفًا، وأخته إسراء شعرت بخوفه وقلبها غاضب عليهم، بمن فيهم أحمد.

شعرت بالثقل الشديد في ساقيها كأنّهما إسمنت متجذّر في بطن الأرض. أرادت لو تبدأ معركةٌ للبقاء. أرادت أن تطلق العنان لتلك الجذور في ساقيها حتى تشرّش في هذه التربة الحمراء ذات الرائحة النقيّة. هنا في هذا الحقل تمنّت لو كانت مجرّد شجرة تسري جذورها في بطن الأرض، وتحلّق أغصانها في كبد السماء.

فكرت إسراء مع تقدم ساقيها إلى الأمام: [لا]، واحدة بعد الأخرى. كانت خطوات صامتة، لكنّها ثقيلة بحجم الذكريات.

تحول غضبها إلى ذعر عندما سمعت أزيز رصاصة في الأجواء. أحمد يتشبّث بيدها.

قيل لهم عن حدوث مثل هذا من قبل. كان أحمد بالكاد يتكلّم معها منذ شهور، لكنّه الآن لا يحتاج إلى الكلام، فلمجرّد أن يمسك بيدها يحمل هذا كثيرًا من المعاني والكلمات. 

[“إذا كان هناك رصاص في الأجواء عليكم بالركض.”]  تذكّرت توجيهات والدها منذ دقائق معدودة. 

[“لا ينبغي أن يكون هناك رصاص، لكن إذا حدث وكان هنالك، فـعليكم بالركض. تركض وإياك أن تفلت قبضة من يمسك يدك.”] 

هكذا بدأت إسراء بالجري. ساقاها الإسمنتيّتان صارت خفيفة. تركض بخفّة كما لو أنّ قدميها بوزن الريش عندما شعرت برصاصة تمرّ بجانبها وتغيّر اتجاه الرياح.

تعجبت إسراء: [هل هذا ما شعر به أحمد في أثناء التدريب؟ هذا هو السبب في أنّه كان خائفًا جدًّا؟]

لاحظت إسراء مدى غرابة تلك الأفكار.

ظلت تركض بحذائها الخفيف عبر الحقل. سحبت الشوك من على الجينز، كما لو أنّ الاشواك –أيضًا- كانت تحاول إقناعها بالبقاء بأيّ ثمن ممكن، لكن دون تفكير ركضت، وكان أحمد يسحبها. 

كانت تدرك أنّ شخصًا ما سينتظرهم على الجانب الآخر. قلبها ينبض بسرعة وبصوت عال في صدرها، بينما كانت هي وأحمد مع باقي أفراد العائلة خلفهم يركضان آخر مائة متر عبر المزرعة الصغيرة. كان صوت الرصاص يتدفق بحدّة في أُذنَي إسراء. 

يبدو أنّ صوت الرصاص قد بدأ يتلاشى ببطء. ربّما هي عاجزة عن سماعه، أو ربما قد أصابتها الرصاصة. لاتزال لا تعرف حقيقة الأمر، لكنّها تدرك أنّ أفكارها المتسارعة قد توقفت في تلك اللحظة، وبدأت قدماها بالتسابق.

عند الهروب لا يوجد أفكار. يوجد أرجل متسارعة فقط. 

عندما ركضت بكل قوتها كان عقلها فارغًا. كانت دقّات قلبها أعلى من صوت الرصاص. شعرت بالنبضات، النبضات، النبضات في حلقها، وأُذنيها، ورأسها؛ كأنّ نبضها يصدح في مكبر الصوت. 

ركضت، وركضت حتى تباطأ أحمد. عندما وصلا إلى الشاحنة مع الآخرين جلسا خلف مكان السائق يبحثان ببصرهما -من فوق سرير الشاحنة- عن أبيهم وأمهم وشقيقتهم الصغرى، أو أيّ واحد من المجموعة. 

الانتظار لا يحتمل، وإسراء بحاجة إلى أن تشتت انتباهها، وفي لحظة من الفضول الجريء حاولت إسراء تتبّع مسار الرصاصة ناظرة إلى الأعلى. 

للحظة استقبلتها السماء المتلألئة بتألق بالنجوم المتلألئة التي لا تحصى. كانت النجوم أكثر عددًا ممّا كانت عليه في أيّ وقت مضى، مثل فتاة نادرًا ما غامرت بالخروج بعيدًا عن أضواء المدينة. 

هزت رأسها بخفة، ونظرت إلى الخلف عبر الحقل بينما كان أحمد يربّت على كتفها، وأشارت مع رعشة واضحة: [“هناك”].

هناك في الأفق البعيد ظهرت ثلاثة ظلال ببطء، حيث كان والدهم يحمل هدى على ظهره، وأمّهم تمسك بعباءتها على ارتفاع الركبة.

أيًّا كان هذا، قد انتهى الآن. قبضت إسراء على يد أحمد. 

[“ماذا بعد؟”] سألت أحمد بعيون شاخصة تبحث عن إجابة مطمئنة، مرتعشة وغير مدركة تمامًا للألوان الرماديّة التي اكتسى بها وجهها. 

نظرت إلى أسفل قليلًا. كانت يدها مغطاة بالدم. 

تعجّبت: [رصاصة؟ لا ..!]. 

نزف الدم من أصابعها إثر قطع البلاستيك المتناثرة بعد ما حطمت شاشة هاتفها، التي كانت قابضة عليها في يدها بينما كانت تجري بلا وعي. 

أسقطت هاتفها.