القصة – العودة الى البداية

عمر إسراء 20 سنة –فقط- عندما بدأ الصراع، وكان أخوها أحمد له من العمر 22 سنة. كان قد ولد في دمشق. كان إسراء وأحمد وشقيقتهما الصغرى –هدى- قد ترعرعوا في ظل العائلة. كانت أيام الجمعة فوضوية بطريقة جميلة؛ بطريقة محفورة في الذاكرة. إنّه ذلك النوع من الفوضى المختلطة بالحب الذي يجعل القلب يمتلئ ويفيض ويزقزق. 

كان أحمد -دائمًا- يريد طبق “اليبرق” أو “ورق العنب” في أيام الجمعة. كان الجميع يعرف ما يريده أحمد دون أن يقول أحمد ذلك. كان لديه نوع من الإدمان على تلك الأوراق الملتفّة اللذيذة والحامضة. في الأسابيع التي أحضر فيها أحمد أخبارًا جيدة من المدرسة، أو عندما كان يجتاز اختبارًا مهمًا كانت والدته تصنع له “اليبرق”، فأسرّتها إسراء في نفسها، حيث كان عليها -هي وأمّها- أن تتعاونا على تحضيره قبل ذلك بليلة. في كلّ يوم من أيام الجمعة كانت إسراء تشعر بتشنّج أصابعها تحسّبًا لهذا العمل. لقد كان عملًا قِوامه الحب والألفة، لكنّه رغم ذلك كان عملًا. كانت إسراء -بلا ريب- تحب مشاهدة أخيها فرحًا مستمتعًا بطعامه المفضل. 

إسراء تفضّل البامية، فكانت -أحيانًا- تفوز بحُجّتها في مناقشة “ماذا نطبخ اليوم؟” لأنّها كانت واحدة من الطهاة المسؤولين عن إعداد الطعام، وكما يعلم أيّ شخص يأكل من طعامهم أنّ مذاق الطعام يكون أفضل عندما يكون الطبّاخ مبتهجًا، والأهم من ذلك أنّ والد إسراء يفضّل “البامية” أيضًا، ومثل إسراء -تمامًا- كان يحب الثوم الزائد الذي تضيفه -دائمًا- مع أمهًا. كلّما طبخت لوالدها طبقًا ما كانت تتنفّس الصعداء حتى ترى أنّ المذاق قد أعجبه. إنّ إسراء تحب مودة أبيها لها.  لقد استحقتها وهي أحوج ما تكون إليها.

كانت إسراء -دائمًا- أكثر جرأة من صديقاتها. كانت أكثر جرأة في الخيارات الموصى بها، وهذا يجعل الخيارات غير مألوفة للفتيات من مثيلاتها. لقد تعلمت في سن مبكرة أن تثق بالقليل فقط. كان والدها قلقًا على سلامتها، وهو القلق الذي عزز دروسه ونصائحه: “لا تثقي بأحد، باستثناء أولئك الذين يرتبطون بك بالدم”. لقد كان يستخدم كلمات مفهومة بصورة سيئة، لكنّها غنية بالمعاني، كلمات مثل “عزوة” ، كلمات بدوية قديمة كانت تستغلها إسراء للضحك، لكنّه كان يستخدمها للتأكيد المحدّد حول أهميّة صلة القربى.

 كان والدها يثق في قلّة قليلة من الناس، ولا ندري إذا ما كانت أدركت ذلك أم لا، فقد أخذت إسراء بعد والدها طرقًا عديدة.

لقد كانت عدم ثقتها بالآخرين هي التي مكّنتْ جرأتها وصنعت تلك الثقة في نفسها. لم تكن خائفة من الناس نوعًا ما، أو هكذا كانت تقنع نفسها دائمًا. لم تكن بحاجة إلى أن تخاف من أولئك الذين لم يستطيعوا إيذاءها؛ أولئك الذين لم تكن تثق بهم ولا يعرفونها شخصيًّا عن قرب. 

هذا لا يعني أنّ إسراء كانت لا تقهر. كان جلدها سميكًا نعم، لكنّ قلبها لم يكن أقل هشاشة منه. 

عندما كانت طفلة صغيرة كانت إسراء أطول من معظم الطلاب في صفّها. ربّما كان طولها يحاول -دائمًا- أن يجاري أحلامها. أرادت أن تكون مهندسة؛ “مهندسة ميكانيك على وجه التحديد”. لقد أرادت صنع الأشياء وتركيبها لجعل شيء من لا شيء.

كان خيالها البريء ينافس عقلها الرياضي. لقد كانت قويّة مثل قلّة من الناس، مبدعة وذات ذكاء غير عادي. أرادت عشيقة الأرقام والفن أن تبتكر أشياء؛ أشياء لم يكن بوسع الآخرين توقعها، ناهيك عن صنعها.

كان طولها الشديد مصدرًا دائمًا لإحراجها، إذ كانت طويلة جدًّا بصورة ملحوظة، لذلك كانت الفتيات في صفّها يسخرن منها دائمًا، وعادة ما يفكّرن في أنّهنّ لا يحتجن -أبدًا- للإنصات لإسـراء وأفكارها. في أوقاتٍ أخرى كنّ أقل حذرًا؛ يتركون التعليقات تسقط من أفواههنّ دون إدراك أو حذر. كان ينبغي أن يكون هناك حواجز من الحسّ السليم واللطيف قبل النطق بالكلمات، لأنّ بعض الكلمات تكون مسمومة، وبعضها الآخر يكون مدمّرًا لمن حولنا، حتى عندما كانت السخرية غير واردة كانت إسراء تستمع إليهنّ في الغالب.

خارج المدرسة كان طولها أقل وضوحًا وإثارة للانتباه، لكن كان بعض الغرباء أشرارًا -أيضًا- مثل زميلاتها وربما أكثر.

أمّ إسراء أخبرتها بانها –ببساطة- صارت شديدة الحساسيّة. صارت تعاني وسواسًا قهريًا حول ما يقوله الناس أو يفكرون به حولها. لم تستطع إسراء السيطرة على ذلك. كانت تراقب أولئك الموظفين في محلات بيع الملابس باهتمام شديد، حتى البائعين الجوّالين الذين كانوا يحدقون بها ويتمتمون حول طولها الفارع. بالإضافة إلى ذلك كلّه ما كانت تلقاه من النساء المسنّات اللواتي يخفين القسوة واللؤم تحت التعاطف والتحيّات.

كان أقل استهزاء وتهكّم يمكن أن يقلق إسراء هو حين كانوا يبدؤون تصنيفها؛ أي عندما يجعلون طولها مصدرًا لتوقّع حياتها العاطفيّة في المستقبل. تتذكّر إسراء -بغضب شديد- امرأة مسنّة في “سوبر ماركت” فاجأتها بصوتها العالي وهي تقول:

 “ايييييه  طويلة جدًّا لتجد عريسًا يناسبها!” لقد ضحكت المرأة –بلؤم- وهي تحاول أن تخفي قسوة كلماتها، فجعلت تربّتْ على كتف إسراء مرة ​​أخرى، وتحاول أن تهدئ من حدة الكلمات بحنان اللمسات، إلّا أنّ تلك اللمسات كانت ثقيلة على روح إسراء التي حزنت وتأثّرت كثيرًا لها.

كان لإسراء آذان مثل آذان الذئب. كانت تسمع الناس يتحدثون حولها من على بعد أمتار. هذا لم يُدعِّم إلّا رأي أم إسراء بأنّها كانت حساسة للغاية حينها، وهذا ما عدّته والدتها ضعفًا، وعدّته إسراء أصلًا لفهم الناس، وأعربت عن امتنانها لآذان الذئب التي تمتلكها، لأنّها ساعدتها على فهم حقيقة الناس من حولها، بل جعلتها تفهم ما يعتقده الآخرون حقًّا بشأنها، وهذا ما جعلها بمأمن منهم. 

كانت إسراء بحاجة إلى سماعهم بصورة كبيرة، والاستماع إليهم من بعيد كي تكون مستعدة لخوض معركتها. في كلّ يوم كانت تدرك -تمامًا- انها لا تثق بأحد، لكنّها مازالت بحاجة إلى أن تكون جاهزة للتعبير عن جرأتها، والتشبث برصانتها وهدوئها الداخلي. كان عليها أن تكون مستعدة ومتكيّفة مع أذنيها وقلبها من أجل البقاء على قيد الحياة؛ من أجل البقاء على قيد المواجهة في تلك الطفولة المضطربة، وكان هذا جيدًا -نوعًا ما- قبل أن يبدأ الصراع. 

ذلك عندما يكون هناك شيء تافه بلا معنى -مثل طول الإنسان- ويصبح هو المدى الفظيع لآلامها.